تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

ومهما يكن، فإنه يشترط لاعتبار المصالح المرسلة مصدرا أو أصلا من أصول التشريع، في رأي القائلين بها، ثلاثة شروط وهي: (أ)

أن يكون ذلك في مسائل المعاملات لا العبادات؛ لأن هذه ثابتة لا تتغير باختلاف الزمن والأحوال، ولأن الله تعالى قد تعبدنا بها كما جاءت في الكتاب والسنة. (ب)

ألا تعارض هذه المصالح مقصدا من مقاصد شريعة الله ورسوله، ولا دليلا من أدلتها المعروفة. (ج)

أن تكون مصالح حقيقية ضرورية للمجتمع، أو على الأقل أن يكون فيها تحصيل نفع أو درء ضرر حقيقي.

وقد تعرض لها الإمام الشاطبي طويلا، وبحثها من كل جهاتها، فإذا رجعنا إليه نجده يلاحظ أنه لا بد لاعتبار المصالح المرسلة من أمور ثلاثة لا تخرج عما ذكرناه، وهي ما يأتي بنص كلامه:

أحدها:

الملاءمة لمقاصد الشرع، بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله.

والثاني:

أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما يجري مجراها من الأمور الشرعية؛ لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج ونحو ذلك.

والثالث:

أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فهي إذن من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى التخفيف لا إلى التشديد.

50

المسألة الثانية:

هذه هي المصالح المرسلة كما حققها الفقهاء الأثبات، فكيف وقف الشيخ ابن تيمية منها، ولم يبين من كلامه التردد في القول بها؟ نجد الإجابة من هذا وذاك فيما كتبه فيها، فلنرجع إليه،

51

كما نجد إشارات إلى ذلك في كثير من رسائله ومؤلفاته الأخرى.

إنه يعرف المصالح المرسلة فيذكر أن الطريق السابع من طرق الأحكام الشرعية هي المصالح المرسلة، وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة، ومنهم من يسميها الرأي، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان.

ثم ينتقل إلى نقد من يضيقون مجالها، فيقول: «لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي رفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين.»

ومجال المصالح المرسلة عنده واسع يشمل أمور الدنيا والدين، ما دام مناطها تحصيل المنافع ودفع المفاسد، وآية ذلك بقسميه قوله: «وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي، وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم، فقد قصر.»

هذا، وقد عرفنا من دراستنا لعصر ابن تيمية أنه كان زاخرا بكثير من المتصوفة وأرباب المقالات المتعددة في الإسلام، فربما كان من أعمالهم ما لم يأذن به الله ورسوله ولكنهم مع هذا يرونها أعمالا طيبة تحقق منافع وتدفع مضار كثيرة. كما كان فيه من الأمراء والسلاطين والملوك من جنحوا إلى أعمال زينها لهم بعض من يحيطون بهم، زاعمين أنها كذلك تحقق منافع وتدفع أضرارا، وهؤلاء وأولئك قد يصدق عليهم كثيرا قوله تعالى:

أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا !

ولذلك نرى شيخ الإسلام يقف موقف المتريث، ويشكك في المصالح المرسلة، ويتردد في القول والأخذ بها إلا بعد التثبت وعن بينة، وهو لهذا يقول بعد الفقرة الأخير التي نقلناها عنه: «وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإنه من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه ...

ابن تيمية · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٦٣