تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعند عدم النص يلجأ إلى فتوى الصحابي، فإذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف لها منهم مخالفا لم يتجاوزها إلى رأي آخر، دون أن يدعي أن ذلك إجماع بل يقول تورعا ما يفيد أنه لا يعلم شيئا يعارض هذه الفتوى.

وإذا تعددت الآراء من الصحابة في المسألة الواحدة، يلجأ إلى اختيار أقربها إلى كتاب الله وسنة رسوله، بمعنى أنه لا يخرج عن رأي من هذا الآراء؛ ولهذا كان يتوقف أحيانا عن الفتوى إذا لم يجد مرجعا لأحد تلك الآراء.

وبعد ذلك، كان يرجع إلى الحديث المرسل أو الضعيف مرجحا له على القياس، ما دام ليس هناك أثر آخر يدفعه، ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه.

وأخيرا، إن لم يجد شيئا من الأصول الأربعة المتقدمة، لجأ إلى القياس فاستعمله للضرورة.

ومن ذلك نرى أن ابن حنبل رضي الله عنه كان رجل نص وأثر أكثر منه رجل فقه وقياس، وهكذا كان الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإن كان له في بعضها نظر خاص أو زيادة في البيان والتفصيل؛ إذ يذكر أن طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم عنها في أصول الفقه، هي بإجماع المسلمين الكتاب، والسنة على اختلاف أنواعها، والإجماع، والقياس، والاستصحاب، ثم المصالح المرسلة.

وسنتكلم عن كل من هذه الأصول بإجمال؛ لنتبين ما يريده شيخ الإسلام بكل منها، ولنعرف المعين الضخم الذي استقى منه تراثه الفقهي الجليل.

2

الكتاب والسنة

أما كتاب الله فلم يختلف أحد من المسلمين في أنه الأصل الأول للإسلام عقائده وتشريعاته، وأخلاقه وآدابه، وأما السنة فهي الأصل الثاني بعد القرآن بالإجماع أيضا. ويذكر الشيخ رحمه الله أنها في هذه الناحية أنواع ثلاثة:

النوع الأول:

هو السنة المتواترة التي تفسر القرآن ولا تخالف ظاهره، مثل ما جاء منها في عدد صلوات اليوم والليلة، وعدد ركعات كل صلاة، ومقدار نصاب الزكاة في أنواع الأموال المختلفة، ومناسك الحج والعمرة وكيفية أدائهما، وغير ذلك كله من الأحكام التي بينتها السنة، ولم تعلم إلا بها.

والنوع الثاني منها:

هو ما لا يفسر القرآن أو يقال يخالف ظاهره في شيء، ولكنه أتى بحكم جديد، مثل السنة التي جاءت في تقدير نصاب السرقة، ورجم الزاني، وما شاكل ذلك من السنن التي جاءت بأحكام غير منصوص عليها في القرآن ولا تخالف ظاهره مطلقا.

ومن البدهي أن السنة التي من النوع الأول تكون حجة فيما جاءت به؛ إذ إنها متممة لما جاء به القرآن من التشريعات التي جاء بها الدين ، وكذلك النوع الثاني يجب العمل به إلا عند الخوارج أو بعضهم، وهو في هذا يقول عن هذا النوع من السنة: «فمذهب جميع السلف العمل بها أيضا، إلا الخوارج، فإن من قولهم أو قول بعضهم مخالفة السنة (أي التي من هذا النوع) حيث قال أولهم للنبي

صلى الله عليه وسلم

في وجهه: «هذه القسمة ما أريد بها وجه الله.»

ويحكى عنهم أنهم لا يتبعونه

صلى الله عليه وسلم

إلا فيما بلغه عن الله من القرآن والسنة المفسرة له، وأما ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون إلا بظاهره؛ ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.

وقال النبي

صلى الله عليه وسلم

لأولهم: «لقد خبت وخسرت إن لم أعدل.» فإذا جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم فيما ائتمنه الله عليه من الأموال، وهو معتقد أنه أمين الله على وحيه، فقد اتبع ظالما كاذبا ... وقد ينكر هؤلاء كثيرا من السنن طعنا في النقل لا ردا للمنقول، كما ينكر كثير من أهل البدع السنن المتواترة عند أهل العلم، كالشفاعة والحوض والصراط والقدر وغير ذلك.»

3

والنوع الثالث من أنواع السنة:

هو أحاديث أو أخبار الآحاد التي وصلت إلينا بروايات الثقات عن الثقات، والمتلقات بالقبول، ويعتبرها ابن تيمية حجة وأصلا من أصول الفقه، ويجب تقديم العمل به على المصادر الأخرى التي تجيء بعده، وفيها يقول: «وهذه أيضا مما اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم، وقد أنكرها بعض أهل الكلام ... وكثير من أهل الرأي قد ينكر كثيرا منها بشروط اشترطها

ابن تيمية · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٤٨