4
ومعارضات دفعها بها ووضعها.
كما يرد بعضهم بعضا (أي من السنة)؛ لأنه يخالف ظاهر القرآن فيما زعم، أو لأنه خلاف الأصول أو قياس الأصول، أو لأن عمل متأخري أهل المدينة على خلافه،
5
أو غير ذلك من المسائل المعروفة في كتب الحديث والفقه وأصول الفقه.»
وهكذا نرى ابن تيمية يشتد في العمل بالسنة متى صحت، وفي اعتبارها أصلا من أصول الفقه ولو كانت أخبار آحاد، ولا يرد بعضها لأنها مثلا تخالف عموم القرآن أو ظاهره في رأي البعض، ولا يذهب مذهب أبي حنيفة ومالك في ردهما لبعضها لهذا السبب، أو لأنها تخالف ما عليه عمل أهل المدينة عند الأخير.
وإن كثيرا من آي القرآن وأحاديث الرسول تؤيده في المنهج الذي سلكه، فالله تعالى يقول:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، وليست طاعة الله إلا العمل بكتابه، كما أن طاعة الرسول تكون بالعمل بسنته الصحيحة.
والرسول
صلى الله عليه وسلم
يقول محذرا من ترك العمل بما صح عنه من السنة: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر بما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري! ما وجدناه في الكتاب اتبعناه.»
6
وبخاصة أن كثيرا من الأحكام الشرعية مأخوذ من السنة النبوية، وكثيرا أيضا من هذه الأحكام التي ثبتت بالسنة هي في الواقع تخصيص لظاهر القرآن وعمومه، ومن هذا القبيل قوله تعالى:
حرمت عليكم الميتة والدم
الآية، فهي بنصها وظاهره عامة في تحريم كل ميتة ودم، ولكن الرسول قال في حديث له: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال»، فكان هذا الحديث مخصصا لتلك الآية العامة.
الإجماع
والإجماع طريق من طرق الأحكام التشريعية، ولكنه يجيء بعد نصوص الكتاب والسنة بلا ريب، والإجماع الذي عليه اتفاق عامة المسلمين، والذي يعلمونه جميعا، هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما كان بعد ذلك فالعلم به متعذر غالبا.
ولذلك يقول ابن تيمية في رسالته عن المعجزات والكرامات: «ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة، واختلف في مسائل منه، كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع السكوتي، وغير ذلك.»
كما يذكر في إحدى فتاويه أن معنى الإجماع هو أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت ذلك لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولكن كثيرا من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة.
7
وبعد هذا لا بد للإجماع الذي يعتبر حجة وأصلا من أصول الفقه من سند من النصوص؛ وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون من الأحكام الفقهية يكون منصوصا عليه من الرسول، وقد بينه في حديث له، ولكن قد يخفى النص على بعض الناس فيستدل بالإجماع الذي علمه، مع أنه لا توجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص.
8
ويأتي الشيخ رحمه الله بمسائل كثيرة ترى بادئ الرأي أن أحكامها ثبتت بالإجماع من غير نص عن الرسول فيها، كما يقول بعض الفقهاء، ولكنه بالبحث يظهر أن ثبوت هذه الأحكام هو بالسنة لا بالإجماع.
ومن ذلك مسألة المضاربة، فإنها - كما يقول - كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب عليهم كان التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، والرسول
صلى الله عليه وسلم
قد سافر بمال غيره قبل النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان (هي العير التي جاء ذكرها في غزوة بدر) كان أكثرها مضاربة معه وغيره.
فلما جاء الإسلام أقرها الرسول، وكان أصحابه يتاجرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك، والسنة قوله وفعله وتقريره فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة.
9
وفي رأينا أن هذا استدلال جيد، وفيه رد الأحكام إلى أصولها الصحيحة الأولى.