ولكن ابن تيمية يذهب إلى أن القول الأول أصح، وهو قياس مذهب الإمام ابن حنبل؛ وذلك بأن السنة القولية والعملية أجازت المسح على الخفين مطلقا دون اشتراط أن يكونا ساترين لكل القدمين، فضلا عما هو معروف من العفو عن ظهور يسير العورة وعن وجود يسير النجاسة.
ومن هذا قول صفوان بن عسال : أمرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إذا كنا سفرا أو مسافرين ألا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن لا تنزع من غائط وبول ونوم.
وقد استفاض عن الرسول في الصحيح أنه
صلى الله عليه وسلم
مسح على الخفين، وتلقى عنه أصحابه ذلك، فأطلقوا القول بجواز المسح على الخفين، ونقلوا عنه أيضا أمره بذلك مطلقا ... ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو خرق، ولا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك ...
فلما أطلق الرسول الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما هي عليه من العادة، ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب، وجب حمل أمره على الإطلاق، ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي. وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون فيه عادة فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوقا أو مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك، فإن التحديد لا بد له من دليل.
25
وأخيرا، بهذه الأمثلة التي ترينا أن شيخ الإسلام كان أمينا في تطبيق منهجه العام في الفقه، أمانته في تطبيقه في سائر العلوم، انتهينا من القسم الأول من هذا الكتاب، وهو القسم الذي قصرناه على بحث عصره وحياته ومنهجه، وننتقل بعد ذلك إلى القسم الثاني الذي نقصره على فقهه وآرائه الاجتماعية والسياسية وغير ذلك من مختلف الآراء التي ذهب إليها.
| القسم الثاني
آراؤه في الدين والحياة
الباب الأول
| في الفقه وأصوله
يراد اصطلاحا بكلمة «الدين» هنا كل ما شرعه الله للمسلمين بالقرآن الكريم أو بسنة الرسول
صلى الله عليه وسلم ، فهو لهذا يشمل أصول الدين أو علم الكلام، والفقه الذي يجب أن ننزل على أحكامه في العبادات والمعاملات على اختلاف ضروبها، والأخلاق التي ينبغي أن نسير عليها لنكون حقا خير أمة أخرجت للناس؛ والدين بهذا المعنى العام يسمى شريعة أيضا، كما يسمى كذلك ملة.
وفي هذا، نجد محمد على التهانوي يقول وهو يتكلم عن الشريعة: «الشريعة ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، سواء أكانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون لها علم الفقه، أم بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم الكلام، ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة.»
1
ولذلك نريد بآرائه في الدين آراءه في الفقه وفهم القرآن وتفسيره وعلم الكلام والفلسفة. كما نريد بآرائه في الحياة الآراء الاجتماعية والسياسية التي ذهب إليها وعمل على الأخذ بها في الحياة العامة للمجتمع والأمة.
ومن مجموع هذا وذاك تتكون أبواب هذا القسم الثاني من الكتاب، وسنتناول مباحث كل باب منها على نحو وسط بين الإيجاز والإطناب، ومن الله التوفيق.
الفصل الأول
| أصول الفقه
لكل فقيه من الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة أصول يرجع إليها في استنباط الأحكام، وابن تيمية رحمه الله لم يكن صاحب مذهب عرف به كغيره من أولئك الأئمة، ولكنه مع اجتهاده كان حنبليا؛ ولذلك كانت أصوله في الفقه هي في جملتها أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
وقد كانت هذا الأصول التي اعتمد عليها الإمام ابن حنبل في فقهه وفتاويه، على ما يذكره أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (توفي سنة 751ه)،
1
خمسة أصول وهي: النص من الكتاب والحديث، فمتى ظفر بنص في المسألة أفتى بموجبه دون التفات إلى ما خالفه، ولا إلى من خالفه ولو كان من كبار الصحابة؛ ولهذا لم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية من الصحابة بتوريث المسلم من الكافر، عندما صح عنده الحديث المانع من التوارث بينهما بسبب اختلاف الدين.