تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22 (3)

ومثال آخر ذكره بعد المثال السابق بقليل، وهو أن من كذب على رجل حتى ضرب وأهين وحبس يجب عقابه عقوبة تردعه وأمثاله، بل جمهور السلف يوجبون القصاص في مثل ذلك، فمن ضرب غيره أو جرحه بغير حق، فإنه يفعل به كما فعل، وفي هذا قال عمر رضي الله عنه: «أيها الناس، إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم ويقسموا بينكم فيئكم، فلا يبلغني أن أحدا ضربه عامله بغير حق إلا أقدته. فراجعه عمرو بن العاص (كان والي مصر حين ذاك) في ذلك، فقال: إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أقاد من نفسه.» (4)

بينا ونحن نتكلم عن العصر الذي عاش فيه ابن تيمية، أنه كان عصرا مليئا بأصحاب المقالات والمذاهب والطوائف المختلفة، وأن من هذه الطوائف طائفة «النصيرية» التي كانت تزعم الإسلام ولا تعمل به، فكان من الطبعي أن يرى الشيخ وجوب قتالهم الذي اشترك بنفسه فيه، وأن يصدر فتوى شرعية فيهم وفي أمثالهم.

ولهذا نجده يقول: «ويجوز، بل يجب بإجماع المسلمين قتال كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، مثل الطائفة الممتنعة عن إقامة الصلوات الخمس، أو عن أداة الزكاة، أو عن الصيام المفروض، ومثل من لا يمتنع عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم بالباطل ...

فهؤلاء يجب قتالهم كما أمر رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، بقتل الخوارج مع كون الصحابة كان أحدهم يحقر صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، فقاتلهم علي رضي الله عنه.»

23 (5)

ونذكر أخيرا من مختصر الفتاوى المصرية هذا المثال، وهو خاص بضروب من الرياضة البدنية (كالمسابقة والمصارعة) التي تعين على تربية الناشئة والمجتمع تربية طيبة.

24

إنه يبدأ الكلام بذكر أن الأعمال التي تكون بين اثنين فصاعدا، وفيها يطلب كل منهما الغلب لنفسه، ثلاثة أصناف، وهي: (أ) «صنف أمر به الله ورسوله كالسباق بالخيل، والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب؛ لأنه مما يعين على الجهاد في سبيل الله.» (ب) «الثاني ما نهى الله ورسوله عنه بقوله تعالى:

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ، ومحط الاستدلال هنا هو الميسر ونحوه.» (ج) «والثالث ما هو مباح لعدم المضرة الراجحة، وليس مأمورا به أمر وجوب لعدم احتياج الدين إليه، كالمصارعة والمسابقة على الأقدام ونحوه، فهذا مباح إذا خلا عن مفسدة راجحة، وقد صارع النبي وسابق وكان أصحابه يتسابقون بحضرته على أقدامهم.

ثم أخذ بعد ذلك في بحث طويل عن اختلاف الفقهاء في جواز أو تحريم أن يكون في هذا جعل للسابق الفائز فبعضهم وهو أبو حنيفة، أجاز هذا بشرط، والجمهور على عدم الجواز مستندين إلى حديث للرسول

صلى الله عليه وسلم ، ولأن ذلك يكون من باب الميسر الذي حرمه الله في كتابه، ولكنه رحمه الله مال إلى الجواز مبينا أن ذلك ليس من الميسر الذي حرمه الله تعالى، والله أعلم.» (6)

ونختم الأمثلة التطبيقية بهذا المسألة: هل من شرط جواز المسح على الخفين أن يكون الخف غير مخرق حتى لا يظهر شيء من القدم؟ وهل للتخريق حد؟ وما هو القول الراجح بالدليل كما قال تعالى:

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا .

وذكر الشيخ رحمه الله أن في المسألة قولين مشهورين للعلماء، فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه يجوز المسح على ما فيه خرق يسير مع اختلافهم في حد ذلك، واختار هذا بعض أصحاب ابن حنبل، ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز المسح إلا على ما يستر جميع محل الغسل.

ويقول أصحاب هذا القول الثاني: «إنه إذا ظهر بعض القدم فرض غسل ما ظهر ومسح ما بطن، فيلزم إذن الجمع بين الأصل والبدل وهذا لا يجوز؛ لأن على المرء أن يغسل القدمين، أو أن يمسح على الخفين.»

ابن تيمية · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٤٦