فإن من هؤلاء «قوما اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، ومنهم قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به»؛ ومن ثم كان خطؤهم وضلالهم جميعا في كثير مما ذهبوا إليه.
12
ومن باب التطبيق، أشار إلى تفسير الكشاف للزمخشري الذي يمثل رأي المعتزلة، ثم ذكر أمثلة غير قليلة لتفاسير الشيعة الرافضة الباطلة، كقولهم:
تبت يدا أبي لهب
وهما أبو بكر عمر، و
إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة
أي عائشة، و
مرج البحرين
عليا وفاطمة، و
اللؤلؤ والمرجان
الحسن والحسين!
ثم يقول بعد ذلك: «وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا ... فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا.»
ويذكر أن من أعظم أسباب الاختلاف في التفسير البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله بغير ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله.
13
في علم الكلام
في هذا العلم نجد واضحا كل الوضوح تطبيق الشيخ رحمه الله لمنهجه العام في إثبات العقائد الدينية، مثل وجود الله وحدوث العالم عنه، ووجوب صفات الكمال، وصلة العبد بربه وما يجب الإيمان به من القضاء والقدر، على غير ذلك من العقائد التي لا يبينها ولا يستدل لها إلا بالقرآن والسنة، مع الميل والاستئناس بالصحيح من آثار السلف الصالح.
وهو بذلك يبعد عن هذا العلم كل ما أدخله فيه رجاله من العناصر الفلسفية؛ ولهذا ينتقدهم بشدة كما ينتقد المناطقة والفلاسفة ومنهم الغزالي؛ لأنهم أدخلوا في أصول الدين ما لم يأذن به الله العليم الحكيم، وأوقعوا الناس في شبهات وضلالات جعلتهم ينحرفون عما جاء به كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم .
إنه يذكر في بعض كتبه
14
أن الرسول بين أصول الدين الحق (وهذه الأصول هي موضوع علم الكلام) الذي أنزل به كتابه أحسن بيان، وأنه دل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته، وصدق رسوله، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته، وكان بيانه لذلك بالأدلة النقلية السمعية والأدلة العقلية أيضا في مواطن الحاجة.
ثم يقول بعد هذا: «بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين، وهؤلاء المغالطون (يريد رجال علم الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوهم) الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية، صاروا - إذ صنفوا في أصول الدين - أحزابا يتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام اختلط فيه الحق بالباطل ...»
15
ولذلك تراه في رسالته المسماة «العقيدة الواسطية» يشرح ما يجب الإيمان به من العقائد الدينية، ويتكلم عنها وعن أدلتها بإجمال، ولا يلجأ فيما يقول إلا إلى الكتاب والسنة، سواء في هذا الإيمان بالله وصفاته، والإيمان بكتابه واليوم الآخر وأحواله، والإيمان بقضاء الله وقدره، والإيمان بكرامات الأولياء وشفاعة الرسول.
ونراه في رسالة أخرى يبين بشيء من التفصيل كيفية الاستدلال لثبوت صفات الكمال لله من القرآن، فهو يأتي ببعض آيات هذا الكتاب العزيز، ونذكر من باب التمثيل هذه الآيات:
16 (1)
قوله تعالى:
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ! فبين الله هنا أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم. (2)
وقال:
ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون ؟ فبين أن كونه مخلوقا عاجزا صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من دون الله. (3)