تلك تطبيقات لمنهج ابن تيمية العام على تفسير كتاب الله، ومعنى هذا أن الرسول
صلى الله عليه وسلم
بين لأصحابه كل معاني القرآن، فعلينا أن نلتمسها من أقوالهم جميعا، فقد يغيب شيء منها عن بعضهم، ولكنه لا يغيب عنهم جميعا. ثم ورث التابعون هذا العلم عن الصحابة، إلا أنه لا يرى أن آراء التابعين حجة على من خالفهم إلا إذا أجمعوا على رأي أو قول واحد.
9
هو إذن سلفي تماما في التفسير، كما هو شأنه في سائر العلوم التي اشتغل بها، وهو إذن لا يرى تفسير كتاب الله بالرأي الذي لا يسنده حديث أو قول مأثور؛ ولذلك نجده يقول: «فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام.» وينقل في تأييد ما يراه أحاديث وآثارا كثيرة نذكر منها ما يلي:
10 (1)
عن ابن عباس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.» (2)
وعن جندب أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»؛ أي لأنه لم يأت الأمر من بابه. (3)
وعن معمر أن أبا بكر الصديق قال: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم.» (4)
وقال عبد الله بن عمر: «أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون
11
القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.»
وبعد أن ذكر ابن تيمية آثارا كثيرة أخرى، قال في ختام مقدمته في أصول التفسير: «فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من يتكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه. ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد.
فإنه كما يجب السكوت عما لا علم للمتكلم به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى:
لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار.»
وأخيرا، ينقل أن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: «التفسير على أربعة أوجه، وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.» والله سبحانه وتعالى أعلم.»
وبعد، إن الشيخ الكبير رضوان الله عليه لم يكن بدعا فيما وضعه وطبقه من أصول التفسير، فإن كثيرا غيره من مفسري كتاب الله الذين سبقوه كانوا مثله في تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم يستأنسون بأقوال التابعين يقبلون منها ما صح عندهم ورضوه، وهذا كله ما يعرف بالتفسير بالمأثور.
وكذلك، كما ذكر هو نفسه وكما ذكر الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره الكبير، كانوا يتحرجون من التفسير بالرأي المجرد، ولا يذهبون إليه.
ولكن ما ينبغي لنا مع هذا أن نظن أن شيخ الإسلام حصر نفسه دائما وفي كل حال في دائرة التفسير بالمأثور لا يعدوها مطلقا، فقد كان رحمه الله عميقا في فهم القرآن وما فيه من أسرار وحكم، وما يؤخذ منه من تشريعات لها عللها التي يستنبطها، وغاياتها التي يعمل عقله في تعرفها، إلى غير ذلك كله من معاني القرآن ومراميه التي سنعرف إن شاء الله جانبا كبيرا منها عند بحث آرائه الفقهية والكلامية والاجتماعية والسياسية.
ومن ثم، يكون لنا أن نقرر أنه كان حقا يمنع تفسير القرآن «بالرأي المجرد» من غير علم، الرأي الذي لا يسنده - من قريب أو بعيد - إشارة من قرآن أو حديث أو قول مأثور، ولكنه أعمل عقله فكان له في فهم كتاب الله آراء قال بها عن علم، وإن لم تكن كلها مأثورة قبله.
ومهما يكن من اعتداد شيخ الإسلام بالعقل في فهم معاني كلام الله، فإنه يحمل حملة شديدة صادقة على تفاسير المعتزلة والشيعة الرافضة والفلاسفة ومن إليهم من أهل الفرق الأخرى المبتدعة، وعلى الطرق التي اتبعوها في التفسير.