تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال:

ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون .

يقول الله تعالى: إذا كنتم ترضون بأن يشارك المملوك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟! وهذا يبين أنه أحق بكل كمال من كل أحد. (4)

وقال حكاية لقول سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه:

يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ! فدل على أن السميع والبصير والغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك، ومثل هذا في القرآن متعدد وكثير.

وهكذا يخلص لشيخ الإسلام الاستدلال من القرآن على ثبوت صفات الكمال لله تعالى، وعلى تنزهه عن كل صفات النقص، مبتعدا عما سلكه المتكلمون والفلاسفة في هذه العقائد وناقدا لهم أشد النقد.

وكذلك نراه يسير على المنهج الصحيح في رسالة أخرى خصصها أيضا لصفات الله وعلوه على خلقه، وهي كسابقتها جواب عن استفتاء رفع إليه.

17

يفيض شيخ الإسلام في الإجابة عن هذه المسألة المهمة الدقيقة؛ مسألة علو الله تعالى على خلقه، ويستدل لإثبات هذه الصفة من القرآن والحديث والآثار الصحيحة المروية عن الصحابة ومن إليهم، وهو يقول في ذلك ما نصه: «وجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه

18

أحدها: أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة، وكلام السابقين والتابعين، بل وسائر القرون الثلاثة، مملوء بما فيه من إثبات العلو لله على عرشه بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من العبارات.

تارة يخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع، وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه، كقوله تعالى:

بل رفعه الله إليه ...

وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده، كقوله تعالى:

والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ،

قل نزله روح القدس من ربك بالحق ... وتارة يخبر بأنه في السماء، كقوله تعالى:

أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ؟ وكذلك قال النبي

صلى الله عليه وسلم : «ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء !» وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء.» قال: «اعتقها فإنها مؤمنة».»

وبعد أن أورد الشيخ رحمه الله هذه النصوص وأخرى من أمثالها، قال: إنه لا يخلو الأمر من أن يكون الحق هو ما تضافرت عليه هذه النصوص من علو الله على خلقه، أو أن يكون الحق هو نفي ذلك ونقيضه.

فإن كان نفي هذا هو الحق، فإن من المعلوم أن القرآن لم يبين هذا نصا ولا غير نص، ولا الرسول، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا يمكن أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفى ذلك أو أخبر به، وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر، وإذن يكون الحق هو إثبات صفة العلو؛ لأن الحق لا يخرج عن أحد النقيضين كما قلنا.

ولكن لنا ولغيرنا أن يتساءل: ما حقيقة أو كيفية استواء الله تعالى على العرش، وكيف يكون في السماء وتعرج إليه الأشياء وتنزل من عنده؟ وذلك ما يشعر بالتجسيم أو التشبيه على الأقل، فهلا يجب تأويل هذه الآيات والأحاديث على أي نحو من أنحاء التأويل؛ أي بما يدل على أن المراد بالعلو فيها هو علوه تعالى في المكانة مثلا؟

هنا يذكر ابن تيمية أن هذا التأويل المجازي لا يمكن القول به، فإنه «معلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي.

فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم، يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد لا سيما إذا كان باطلا لا يجوز اعتقاده في الله.»

ابن تيمية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٤٤