17
وأقبل الشيخ الصابر الراضي بقضاء الله وقدره على عبادة الله وقراءة كتابه والتأليف والرد على مخالفيه، كما كتب في المسألة التي حبس بسببها شيئا كثيرا، وكان فيما كتبه فيها سنة 728 رد على ابن الإخنائي المالكي، وقد استجهله في هذا الرد وبين له أنه قليل البضاعة في العلم، كما يذكر ابن كثير.
فكان هذا سببا في أن رسم السلطان بحرمانه من الكتب وأدوات الكتابة، فأخرجوا في تاسع جمادى الآخرة من هذا العام كل ما كان عنده من الكتب والأوراق والدواة والقلم، وبذلك منع من الكتابة والمطالعة.
وفي هذا يذكر صاحب «وفيات الوفيات» أنه كتب عقيب ذلك بفحم يقول: إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النقم، ثم بقي أشهرا على ذلك، وزاد إقباله على التلاوة والعبادة والتهجد حتى أتاه اليقين، فلم يفجأ الناس إلا نعيه؛ إذ ما كانوا علموا بمرضه عشرين يوما.
وفاته
وأخيرا، آن لابن تيمية العالم العابد الأواب، والمجاهد في سبيل الدين والوطن، وفي سبيل كتاب الله وسنة رسوله، أن يلقى ربه الذي يعلم السر وأخفى، والذي لا يضيع أجر العاملين.
آن له أن ينطلق من سجنه، وأن يرتاح من خصومه، وأن يترك الدنيا وما فيها من متاع وزينة وجاه يتقاتل الناس من أجله، وقد كان ذلك كله على حبل الذراع لو أراد، ولكنه صدف عن كل ذلك، وقصر حياته على إقامة الدين ونشر العلم ابتغاء رضوان الله وحسن مثوبته.
وكانت وفاته - كما يقول علم الدين البرزالي في تاريخه - ليلة الإثنين العشرين من شهر ذي القعدة سنة 728، وهو لا يزال في سجنه بقلعة دمشق، وكان انتقاله إلى الرفيق الأعلى من أكبر الأحداث التي أخذت على الناس أنفاسهم وقلوبهم.
وكان مشهد تشييعه إلى المقر الأخير أمرا عظيما، فقد تزاحم الناس على جنازته، وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والثناء عليه والدعاء له. ولم تصل الجنازة إلى مستقرها إلا قبيل وقت العصر مع أنها حضرت في الساعة الرابعة من النهار؛ وذلك من كثرة الآتين للصلاة من أهل البساتين والغوطة والقرى وغيرهم.
ويذكر ابن كثير، فيما قال في وصف جنازته وكثرة مشيعيها، أنه لم يتخلف عن الحضور إلا من لم يستطع إلى ذلك سبيلا، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن، والجميع يترحمن ويبكين عليه. وأما الرجال فحزروا بستين ألفا، إلى مائة ألف، إلى أكثر من ذلك، إلى مائتي ألف.
18
ولما قضيت الصلاة عليه من الناس جماعة بعد أخرى، حمل إلى مقبرة الصوفية، فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله.
رحم الله ابن تيمية، وأجزل ثوابه جزاء ما قدم للدين والعلم والأمة من خير، وجعله مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وبعد:
فما كان ابن تيمية بائسا حزينا في سجنه، بل كان يراه قدرا مقدورا عليه وفيه خير كثير له، ووجده فرصة طيبة للتفرغ للعلم والعبادة، وكان يذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة الأخيرة من العلوم العظيمة والأهوال الجسيمة.
وكان من قوله في هذا كما ينقل ابن رجب: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المدة من معاني القرآن، ومن أصول العلم، بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن.
وكذلك كان يقول فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.» كما قال: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة!»
وكان في حبسه في القلعة يقول: «لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة.» أو قال: «ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير»، ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.»