ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: «فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.»
وهذه كلمات قصار لابن تيمية في أيامه الأخيرة، ولكنها على وجازتها تظهرنا على إيمانه العميق بالله ورضائه من كل قلبه بقضائه وقدره، وتدلنا على فهمه حق الفهم للحياة وما تأتي به من نعيم وبؤس، وقدرته على أن ينظر من كل حدث إلى ما فيه من خير ونعمة، وبذلك يعيش قرير العين راضي النفس، وهكذا كان رضوان الله عليه.
بعض رثائه
ترك ابن تيمية الدنيا للراغبين فيها المتقاتلين في سبيلها، فكان طبعيا أن يشعر المسلمون وبخاصة أصحابه وتلاميذه بالحزن واللوعة لفقده، وأن تترجم ألسنتهم نثرا وشعرا عن هذا الألم والأسى؛ ولهذا كثر الذين قاموا برثائه شعرا.
ونحن نذكر بعض هذا الذي رثي به من الشعر، وهو إلا يكن من جيد الشعر ومشرقه من ناحية ألفاظه وأسلوبه، فإنه يعبر عن العاطفة الصادقة والتقدير العظيم للإمام الكبير.
فمن ذلك قصيدة للشيخ زين الدين عمر بن الودري، يقول فيها:
19
عثا في عرضه قوم سلاط
لهم من نثر جوهره التقاط
تقي الدين أحمد خير حبر
خروق المعضلات به تخاط
توفي وهو محبوس فريد
وليس له إلى الدنيا انبساط
ولو حضروه حين قضى لألفوا
ملائكة النعيم به أحاطوا
فتى في علمه أضحى فريدا
وحل المشكلات به يناط
ثم يقول:
فيا لله ما قد ضم لحد
ويالله ما غطى البلاط
هم حسدوه لما لم ينالوا
مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كسالى
ولكن في أذاه لهم نشاط
وحبس الدر في الأصداف فخر
وعند الشيخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء
فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا
ثم يقول:
ألم يك فيكمو رجل رشيد
يرى سجن الإمام فيستشاط؟!
إمام لا ولاية كان يرجو
ولا وقف عليه ولا رباط
ولا جاراكمو في كسب مال
ولم يعهد له بكم اختلاط
ثم ينتهي بقوله:
فها هو قد مات واسترحتم
فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا
وحلو واعقدوا من غير رد
عليكم، وانطوى ذاك البساط
ورثاه ابن فضل الله العمري بقصيدة طويلة، ونحن نذكر منها:
20
مثل ابن تيمية في السجن معتقل
والسجن كالغمد، وهو الصارم الذكر
مثل ابن تيمية تذوي خمائله
وليس يلقط من أفنانه الزهر
مثل ابن تيمية شمس تغيب سدى
وما ترق بها الآصال والبكر
مثل ابن تيمية يمضى وما عبقت
بمسكه العاطر الأردان والطرر
ثم يقول في حساده ومناوئيه:
وهل فيهمو صادع للحق مقوله
أو خائض للوغى والحرب تستعر؟
رمى إلى نحر «غازان» مواجهة
سهامه من دعاء عونه القدر
بتل راهط والأعداء قد غلبوا
على الشآم وطال الشعر والشرر
وشق في المرج والأسياف مصلتة
طوائفا كلها أو بعضها تتر
هذا، وأعداؤه في الدار أشجعهم
مثل النساء بظل الباب مستتر
هذا قليل من كثير رثي به الشيخ من عارفي فضله وحسن بلائه في سبيل الإسلام والمسلمين والوطن، بعد أن صار من المتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
تراثه العلمي
تناول ابن تيمية علوم عصره بالدرس الواسع العميق، ثم بالتأليف بعد أن أحاط بها خبرا، ورد على مخالفيه - وبخاصة علماء الكلام والمنطق والتصوف والفلسفة - برسائل لطيفة أحيانا، وبكتب مطولة أحيانا أخرى، وكانت نتيجة ذلك كله أن ترك عددا ضخما من المؤلفات يقول أكثر من ترجموا له إنه يصل إلى خمسمائة.
21
ويكتفي ابن الوردي بأن يذكر أنه ما يبعد أن تصانيفه إلى الآن خمسمائة مجلدة، ثم يقول: وله في غير مسألة مصنف مفرد كمسألة التحليل وغيرها، وله مصنف في الرد على ابن مطهر الرافضي الحلي (أو إمام الشيعة الإمامية في زمنه ابن المطهر الحلي البغدادي، كما يذكر بعض الباحثين) في ثلاثة مجلدات كبار، وتصنيف في الرد على «تأسيس التقديس» للرازي في سبعة مجلدات.
وكتاب في الرد على المنطق، وكتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في مجلدين، وقد جمع أصحابه من فتاويه ست مجلدات كبار ... وله مصنف سماه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».