وحينئذ لم يجدوا بدا من إخراجه إلى الإسكندرية، وبقي في حبس بها مدة سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. فلما عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة، أمر بإحضار الشيخ إلى القاهرة في شوال سنة 709، وأكرمه إكراما زائدا، وقام إليه وتلقاه في مجلس حفل بالقضاة المصريين والشاميين وأعيان الدولة.
ثم استشاره في خصومه؛ إذ كان هم بقتل بعضهم فصرفه عن ذلك وأثنى عليهم. وكان ابن مخلوف المالكي، يقول: ما رأينا أفتى (من الفتوة والمروءة) من ابن تيمية، سعينا في دمه، فلما قدر علينا عفا عنا.
12
واستمر الشيخ بالقاهرة على ما أخذ نفسه به من الاشتغال بالعلم والفتوى، والناس والأمراء والجند يترددون عليه، وكذلك الفقهاء الذين أخذ بعضهم في الاعتذار إليه. ثم عاد إلى دمشق بعد غيبته عنها أكثر من سبع سنين، وكان هذا سنة 712. (6)
لبث الشيخ بعد أن عاد إلى دمشق بضع سنين لا يزعجه خصومه، فتفرغ لنشر العلم والتأليف والإفتاء، ولكنه تكلم في مسألة الحلف بالطلاق وهي من المسائل الفقهية التي تفرد في عصره بالقول بها، ورأيه أنه لا يقع الطلاق بالحلف به بدل الحلف بالله، ولكن على الحالف إذا حنث في يمينه كفارة اليمين المعروفة في القرآن. كما كان رأيه أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع به إلا طلقة واحدة رجعية.
ولكن القوم وجدوا الأمر خطيرا، فإن الحلف بالطلاق يقع به الطلاق عند الحنث في رأيهم، فصدر سنة 718 مرسوم سلطاني بمنعه من الفتوى بعدم وقوع الطلاق، وعقد لذلك مجلس ونودي بذلك في البلد ليكون الناس على بينة من أمورهم.
ولم يقفه هذا المرسوم عن الجهر برأيه لكل من يستفتيه، وقال: لا يسعني كتمان العلم، واستمر على هذا حتى حبس بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ثم أخرج من السجن بعد ذلك وعاد إلى ما كان عليه من الاشتغال بالعلم والتعليم.
13
وقد أجمل ابن رجب ما كان في هذه المسألة بكلام واضح وذلك إذ يقول: ثم في سنة 718 ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير،
14
وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك ونودي به في البلد.
ثم في سنة 719 عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تأكيد المنع.
ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة لأجل ذلك مرة أخرى، ومنع بسببه من الفتيا مطلقا، فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: لا يسعني كتم العلم.
15 (7)
وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد، لولا أن خصومه ظفروا بفتيا قديمة له في مسألة «شد الرحال» المعروفة، فكان اعتقال لم ينته إلا بوفاته.
وذلك بأنه يرى أن الذي عليه أئمة المسلمين وجمهور العلماء هو أن السفر لأضرحة الأولياء، غير مشروع، بل هو معصية من أشنع المعاصي لقوله
صلى الله عليه وسلم : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والأقصى، ومسجدي هذا.»
على أنه يرى مع هذا أن السفر المشروع إلى مسجد النبي
صلى الله عليه وسلم
أو إلى المسجد الأقصى إنما يكون للصلاة التي ورد الحديث في فضلها في أحدهما، وليس لأحد أن يفعل في ذلك ما هو من خصائص البيت العتيق، كما يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة أو الحجرة النبوية.
16
وكان من الطبعي أن تثير هذه الفتوى خصوم الشيخ؛ إذ رأوا فيها تنقصا لمقامات الأنبياء والأولياء والصالحين، فرفعوا الأمر إلى السلطان، وهذا أصدر سنة 726 مرسوما باعتقال صاحبها.
وسر الشيخ حين أخبر رسميا بهذا المرسوم، وقال: أنا كنت منتظرا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة، وفعلا اعتقل بقاعة بالقلعة بدمشق، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ولكنه منع من الفتيا.
ولم يقف الأمر عند هذا، بل حبس بسجن الحكم جماعة من أصحابه بأمر قاضي القضاة الشافعي، وذلك بمقتضى مرسوم نائب السلطنة وإذنه له بأن يعمل في أمرهم ما توجبه الشريعة، فعذر بعضهم ثم أطلقوا، سوى تلميذه الأشهر شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية، فإنه حبس بالقلعة أيضا، وعلى هذا سكنت القضية إلى حين.