وهنا ينبغي أن نشير إلى ما ذكره ابن رجب بشأن هذه المسألة ،
8
وهو أن المصريين هم الذين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث والجدل معه، وأجمعوا أمرهم على أن يعقد له مجلس ويدعى عليه فيه وتقام عليه الشهادات.
وكان القائمون في ذلك منهم بيبرس الجاشنكير الذي صار سلطانا فيما بعد، ونصر المنبجي،
9
وكان خصما للشيخ لأكثر من سبب شديد المراس، وابن مخلوف قاضي المالكية.
ومهما يكن من أمر، فقد عقد المجلس لمحاكمته، وادعى عليه المدعي بأنه يعتقد أن الله على العرش حقيقة، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية، وأنه يتكلم بحرف وصوت، ثم قال: أطلب التعزير على ذلك؛ التعزير البليغ، يشير إلى القتل على مذهب مالك.
فقال القاضي ابن مخلوف: ما تقول يا فقيه؟ فأخذ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أسرع، ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى! فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ. فقال: أجب!
فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي فكيف تحكم في؟! وغضب، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس.
ويقال: إن أخاه شرف الدين ابتهل إلى الله ودعا عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ وأمره أن يقول: اللهم هب لي نورا يهتدون به إلى الحق!
ونعتقد نحن أنه رحمه الله كان يتأسى فيما أمر به أخاه بقوله
صلى الله عليه وسلم ، وقد اشتد إعراض قريش وأذاهم له: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.»
وكان بعد هذا أن حبسوه في برج أياما نقل بعدها ليلة عيد الفطر إلى السجن المعروف بالجب، وتلا ذلك إرسال كتاب سلطاني إلى الشام بالطعن عليه والحط منه وإلزام الناس - وبخاصة أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته وإلا كان العزل والحبس مصيرهم، ونودي بهذا في الجامع والأسواق.
وكان من الطبعي بعد ذلك أن ينال الحنابلة بمصر والشام أذى كثير، حتى حبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع عن العقيدة التي حوكم الشيخ وعوقب بالحبس هو وأخوه شرف الدين من أجلها، كما جرت فتن كثيرة بسببها.
ولبث في السجن عاما وبضعة أشهر، ورفض الإفراج عنه على أن يرجع عن بعض عقيدته. حتى إذا كان شهر ربيع الأول سنة 707 حضر حسام الدين مهنا بن عيسى أمير العرب إلى مصر ودخل السجن وأخرج الشيخ بنفسه بعد أن استأذن في ذلك، وعقدت له مجالس حضرها أكابر الفقهاء وانتهت على خير كما يقول ابن رجب.
10
ولكنه بعد إطلاقه رفض العودة إلى دمشق، وأقام بالقاهرة يقرئ العلم على عادته ويتكلم في الجوامع والأماكن العامة، ويجتمع الناس للإفادة منه. (5)
على أنه لم يخرج من السجن إلا ليعود إليه في العام نفسه بسبب شكاية تقدم بها الصوفية في شهر شوال ضده إلى القاضي (أو الحاكم كما جاء في بعض النصوص)، وذكروا في شكايتهم أنه يحمل على ابن عربي وغيره من أعلام التصوف،
11
وبعد سماع كلام الشيخ قال بعض الحاضرين إنه ليس عليه في هذا شيء.
ولكن الدولة لم ترض بهذا (أغلب الظن أن ذلك كان بإشارة من الشيخ نصر المنبجي عدو ابن تيمية، والذي كان له التأثير الكبير على الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير) فخير بين أشياء، وهي - كما يقول ابن رجب: الإقامة بدمشق أو بالإسكندرية بشروط أو الحبس، فكان أن اختار الحبس مؤثرا له على قبول تلك الشروط.
إلا أن أصحابه رغبوا إليه في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرطوه عليه، فأجابهم وركب فعلا متوجها إليها، إلا أنه صدر الأمر برده، فرد في الغد إلى القاهرة وحضر عند القاضي، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، إلا أن أحدا من القضاة لم يجرؤ على الحكم عليه؛ لأنه ما ثبت عليه شيء.
ولما رأى الشيخ تحيرهم بين الحق وبين ما تريده الدولة، قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فأرسل إلى حبس القاضي المعروف، واستمر فيه على عادته من التعليم والإفتاء في الفتاوى المشكلة التي تأتيه من الأمراء وأعيان الناس، وكان أصحابه يدخلون عليه كلما أرادوا.