تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.

4

وهنا نذكر أن هذه العقيدة الواسطية نشرت مرات كثيرة، وآخر نشرة لها سنة 1380ه/1961م بمطبعة المدني بالقاهرة، ومن الخير أن نأتي هنا ببعض افتتاحه لها، وذلك إذ يقول رحمه الله تعالى: «أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.

ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد

صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، بل نؤمن بأن الله سبحانه

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه.

لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، سبحانه وتعالى؛ فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه. ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عنه ما لا يعلمون.»

5 (3)

على أن الخصومة تجددت ثانيا في السنة نفسها؛ أي سنة 705، وإن اختلف الخصوم هذه المرة، فقد كانوا هم رجال الطائفة الأحمدية من أهل الطرق الذين يموهون على الناس بما يزعمون كرامات لهم، ومن هذه الكرامات أنهم يدخلون النار ولا تمسهم بأذى.

وكان الفارس المتهم المشكو منه هو هو نفسه ابن تيمية الذي لا تفوت عليه هذه الحيل، والذي لا يجامل ولا يداهن، بل يقف دون البدع والدجالين صريحا شجاعا لا يخاف في قول الحق لومة لائم.

ففي جمادى الأولى من هذا العام حضر جماعة من هذه الطائفة إلى نائب السلطنة، وحضر الشيخ ابن تيمية، فسأل الأولون من نائب السلطنة بحضرة الأمراء - كما يقول ابن كثير

6 - أن يكف الشيخ عنهم وأن يتركهم وحالهم، فقال الشيخ: هذا ما لا يمكن، ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة قولا وفعلا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه. ومن أراد منهم أن يدخل النار منهم فليدخل أولا الحمام ويغسل جسده جيدا، ثم يدخل إلى النار بعد ذلك إن كان صادقا.

ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل، فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك!

وهنا ابتدر شيخ منهم وقال: نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتار وليست تنفق عند الشرع، فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد.

ثم انتهى الحال على أن يخلعوا أطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.

وكان من أجل ذلك أن كتب الشيخ جزءا في هذه الطريقة، وبين فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم، وما فيها من مقبول ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم وباطل ما كانوا يعملون. (4)

وتقوم الفتنة مرة ثالثة بشأن عقيدته في هذه السنة نفسها، بحيث يصح لنا أن نسميها «سنة المحنة» أو «سنة المحن المتتابعة». وذلك أنه في أوائل رمضان من هذه السنة ورد إلى دمشق كتاب من السلطان يحمل ابن تيمية إلى القاهرة للكشف عما كان منه، فتوجه إليها على البريد وخرج معه خلق كثير من أصحابه باكين خائفين عليه من أعدائه.

وكان من نائب السلطنة ابن الأفرم أن أشار عليه - كما يذكر ابن كثير

7 - بعدم الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا. فاعتذر الشيخ عن عدم قبول هذه المشورة، وذكر له أن الخير في الذهاب إلى مصر، وأن في ذلك مصالح كثيرة.

فلما جاءت لحظة السفر إلى مصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته، «وهم بين باك وحزين من أجله، ومتفرج ومتنزه، ومزاحم متغال فيه»، كما يقول ابن كثير. ووصل الشيخ إلى القاهرة في الثاني والعشرين من رمضان، وعقد له غداة يوم وصوله مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة، وأقيم الشمس بن عدنان مدعيا احتسابا، ثم أخذوا في التحقيق معه.

ابن تيمية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٢٩