ومن هذه الآراء ما هو في الفقه، ومنها ما هو في العقيدة الدينية وعلم الكلام، ومنها ما هو في التصوف والفلسفة بصفة عامة التي كان يعاديها عداء شديدا. ومن ذلك، كان خصومه عديدين، وكانت له مواقف كثيرة معهم، ونتج عن هذا ضروب من المحن والشدائد حاقت به حتى انتهى الأمر بوفاته وهو معتقل مسجون.
ونحن لا نتعرض هنا لكل مواقفه مع خصومه، ولا لكل آرائه التي خالفه فيها معاصروه، فربما تناولنا هذا فيما بعد في القسم الخاص بفقهه وآرائه في علم الكلام والفلسفة والتصوف، وغير هذا كله من العلوم والدراسات.
وحسبنا أن نتناول في هذا الفصل بعض المسائل الهامة التي كان له في كل منها موقف مع خصومه، وبخاصة التي كان لها أكبر الأثر فيما أصيب به من محن قابلها بالصبر والرضا حتى لحق بالرفيق الأعلى: (1)
يذكر صاحب «فوات الوفيات»
2
أن الشيخ العظيم أملى سنة 698 المسألة المعروفة بالحموية في قعدة بين الظهر والعصر، وهي رسالة أجاب بها عن سؤال ورد من «حماة» في الصفات، وجرى له بسببها محنة، ولكن الله نصره وأذل أعداءه.
والواقع أن مسألة صفات الله تعالى، التي وصف بها ذاته في القرآن، أثارت وما تزال تثير خلافا وجدلا كثيرا بين رجال علم الكلام.
مثلا، يقول الله تعالى:
الرحمن على العرش استوى ، ويقول:
وجاء ربك والملك صفا صفا ، ويقول:
يد الله فوق أيديهم . فهل هذه الآيات تدل على أنه تعالى استوى حقا على العرش، وأنه يجيء وينتقل، وأن له يدا، مع ما في القول بذلك من التجسيم أو التشبيه؟ أو يجب تأويل الآية الأولى بأن المراد أنه استولى على العرش، والثانية بأنه جاء أمرنا، والثالثة بأن قدرته فوق قدرة البشر جميعا. وبهذا التأويل نبعد الله سبحانه وتعالى عن شبهة التجسيم وعن مشابهة المخلوقات.
يرى علماء السلف رضوان الله عليهم بأن علينا أن نؤمن بما جاء في القرآن من هذه الصفات دون تأويلها؛ لأن تأويلها وبيان المراد منها حقا فوق طاقتنا، مع الاعتقاد في الوقت نفسه بتنزيه الله عن مشابهته لبعض ما خلق.
ويرى المتأخرون من رجال علم الكلام، وبخاصة الأشاعرة منهم، وجوب تأويل هذه الآيات وأمثالها على النحو الذي ذكرناه أو ما يشبهه، وبهذا انسد باب التجسيم والتشبيه عن الله سبحانه وتعالى.
وقد كان شيخ الإسلام سلفيا في كل آرائه، فاتهم بلا حق بأنه يرى رأي المجسمة أو المشبهة، وأثار خصومه الناس وبعض السلاطين والأمراء عليه بسبب آرائه في هذه المسألة التي جاءت في الرسالة الحموية، فكانت فتنة ومحنة نجاه الله منها كما ذكرها صاحب «فوات الوفيات».
ويبسط ابن كثير القول قليلا في هذه المسألة، فيذكر أنه في أواخر دولة الملك المنصور لاجين السلحداري قام على ابن تيمية جماعة من الفقهاء وأرادوا أن يحضر إلى مجلس القاضي الحنفي جلال الدين، ولكنه أبى أن يحضر، فشنعوا عليه بالمناداة في البلد ضد رأيه الذي أبانه في الرسالة الحموية.
ولكن أحد الأمراء انتصر له وأرسل يطلب من قالوا ضده، فاختفى الكثيرون منهم، كما ضرب بعض من نادوا عليه فسكت الباقون وسكنت الفتنة.
ثم اجتمع الشيخ بالقاضي إمام الدين وعنده جماعة من العلماء والفضلاء، وبحثوه في الرسالة وناقشوه في مواضع منها، فأجاب الشيخ عما سألوه بما أسكتهم بعد كلام كثير، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا ومقصده صالحا.
3 (2)
على أن خصومه لم يتركوه هادئا، واستعدوا عليه ذوي السلطان متخذين عقيدته والطعن فيها لذلك سببا يتذرعون به للنيل منه، وفي هذا يقول ابن رجب: ثم امتحن سنة 705 بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان، فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ وسأله عن ذلك، فبعث الشيخ من أحضر من داره «العقيدة الواسطية»، فقرءوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ومنهم من قاله كرها.