الفصل الثالث
| خصومه، محنته، ووفاته
رأينا الشيخ ابن تيمية فارسا مجليا في حرب التتار يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويقذف بها في المعارك في سبيل الله والوطن والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حتى كتب الله النصر للعرب والمسلمين.
ورأيناه مع ذلك على رأس الذين يعملون بألسنتهم وأيديهم لإقامة دين الله ونصر سنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ، فهو يحارب البدع وأصحابها، والظلم ومقترفيه، والمنكر على كافة ضروبه، يحارب ذلك كله بكل سبيل، ولا يألو جهدا.
والآن نراه فارسا يصول ويجول في حلبة صراع أخرى مع خصوم أشداء أجمعوا أمرهم على عدائه ومناوأته، صراع لم يخمد أواره وينقشع غباره إلا بوفاته ولحاقه بربه الذي يعلم السر وأخفى.
خصومه
كان خصومه في هذا الصراع المستميت من الفقهاء والمتصوفة، وهو الذي خلقهم بصراحته وجرأته، وبذهابه إلى آراء لم تؤثر عن الفقهاء السابقين، وإرساله كلمات أحجم عن التصريح بمثلها الأولون والآخرون، ومست بعض ما يعده القوم مقدسات لا يجوز المساس بها، بل ينبغي أن تظل هكذا أبد الآبدين.
وهذه الأسباب التي جلبت على ابن تيمية خصومات كثير من معاصريه من الفقهاء وأصحاب الحديث وغيرهم، قد عرفها وأحسها كثير من عارفي الشيخ ومحبيه ومقدريه، وفي هذا يقول ابن رجب وهو يتحدث عن الشيخ عماد الدين الواسطي وإجلاله وتعظيمه لابن تيمية: ولكن كان هو وجماعة من خواص أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه في بعض الأئمة الكبار الأعيان، وفي أهل التخلي والانقطاع (يريد الزهاد والمتصوفة) ونحو ذلك، وكان الشيخ رحمه الله لا يقصد بذلك إلا الخير والانتصار للحق.
وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين كالشافعي وأحمد ...
وكذلك كثير من العلماء، من الفقهاء والمحدثين والصالحين، كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها، حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا (يريد الفقهاء الحنابلة) منعه من الإفتاء ببعض ذلك.
1
ثم يذكر ابن رجب بعد هذا، وهو ينقل عن الذهبي بعض ما قاله فيه: «ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها.
حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يماري، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده ...
فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية مصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة والاستعانة به، قوي التوكل، ثابت الجأش ...» إلى آخر ما قال.
ولعل من الحق علينا هنا أن نضيف إلى تلك الأسباب التي خلقت هذه الخصومات، سببا آخر نحس آثاره في كل عصر، وهو داء الحسد الذي إذا تملك قلب إنسان أفسده وأعمى بصيرته، وجعله لا يبغي لخصمه إلا الشر والأذى؛ ولهذا أمرنا الله أن نتعوذ من الحسد والحاسدين في سورة من قصار المفصل.
ومهما يكن فإن الشيخ العظيم لم يكن يبالي شيئا من ذلك كله، بل كان يصدع بالحق الذي أداه إليه اجتهاده وإن كان مرا، متوقع الأذى، ويقبله راضيا محتسبا، وفي هذا يصدق عليه قول الشاعر العربي المؤمن:
ولست أبالي حين أقتل مسلما
على أي جنب كان في الله مصرعي
مواقف ومحن
كان ابن تيمية على ما عرفنا بحرا زاخرا بالعلوم العديدة المختلفة، وكان في جميع علومه ومباحثه مجتهدا حر الرأي لا يتقيد إلا بكتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ؛ ومن ثم ظهر بآراء شذ بها في رأي معاصريه من الفقهاء والعلماء، فوقفوا دونه فيها ونالوه بالأذى من أجلها، وظاهرهم في بعض مواقفهم رجال من ذوي الجاه والسلطان.