تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 (2)

وفي إبان اشتداد الحال مع التتار، ووجوب التقرب إلى الله بالطاعات والبعد عن المنكرات حتى يكونوا أهلا لنصره، كان كثير من الناس لا يزالون مصرين على عاداتهم الخبيثة من الاتجار بالخمر وفتح الخمارات، وكان ذلك خليقا بأن يثير المؤمنين الصادقين وعلى رأسهم الشيخ العظيم ابن تيمية.

ولهذا يذكر ابن كثير في حوادث سنة 699 أنه في السابع عشر من رجب دار الشيخ تقي الدين رحمه الله وأصحابه على الخمارات والخانات، فكسروا أواني الخمور وأراقوها، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، ففرح الناس بذلك.

ولعل شدة ابن تيمية في هذه الناحية، وتكرر ذلك منه، قد أثار ضده جماعة من شانئيه، فثار بعضهم وشكوا منه بأنه يقيم الحدود ويعزر الناس على ما يرى. ولكن الأمر سكن بعد أن تكلم هو أيضا في شكاتهم وبين لهم أنه محق وأنهم مخطئون.

13 (3)

وكان من الطبيعي أن يكون للشيخ أنصار يؤازرونه على إزالة المنكرات وقتال المفسدين، عملا بقوله تعالى:

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .

ولذلك نرى أنه في شوال سنة 700 يخرج ومعه خلق كثير لقتال ناحية جبال الجرد وكسروان بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وضلالهم، لممالأتهم التتار حين كانوا ينتصرون، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إليه معتذرين، فاستتابهم وبين لهم الحق، فحصل بذلك خير كثير وانتصار كبير على أولئك المفسدين.

14

ومن المعروف أن الشيخ كان شديد الإنكار للتوسل بغير الله الواحد الأحد، وشديد الإنكار أيضا لتقديم شيء من شعائر العبادة والتقديس لغيره تعالى ؛ ولهذا نراه في شهر رجب سنة 704 يروح إلى مسجد التاريخ، ويأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر «قلوط» تزار وينذر الناس لها، فقطعها وأراح الله المسلمين منها ومن الشرك بها كما يقول ابن كثير.

15

ويظهر أن ابن تيمية كان وحده رأس القائمين بتغيير المنكر باللسان، وباليد إن وجب الأمر، فإنه في تلك السنة نفسها - على ما يذكر ابن كثير - أحضر إليه شيخ كان يلبس دلقا كبيرا متسعا جدا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر بحلق شعره وتقليم أظافره وكان ذلك طويلا جدا، وحف شاربه المسبل على فمه المخالف للسنة.

وقد فعل به ذلك كله، ثم استتابه من فاحش القول الذي كان يصدر عنه، ومن أكل ما يغير العقل من الحشيشة، ومن كل ما لا يجوز من سائر المحرمات. (4)

وأخيرا نشير إلى خروج الشيخ الأكبر في أوائل شهر المحرم من سنة 705 إلى بلاد الجرد والرفض واليتامنة، وتبعه نائب السلطنة جمال الدين الأفرم بنفسه، فنصرهم الله عليهم، وأبادوا كثيرا منهم ومن فرقتهم الضالة، ثم عاد نائب السلطنة في صحبة الشيخ إلى دمشق.

وقد كان لحضور الشيخ هذه الغزوة بنفسه أثر فعال في النصر، وأبان فيها ما هو معروف عنه من العلم والشجاعة، وكان منها خير كثير.

16

وبعد، إني أكتب هذه الكلمات موقنا بأن ابن تيمية لم يكن مؤمنا حقا قويا فحسب، ولا ذا شخصية عارمة فحسب، ولكنه كان مع ذلك كله يشعر شعورا بالغ المدى بالمسئولية التي ألقاها الله على عاتقه باعتباره رجلا مسلما عربيا، وباعتباره من العلماء بدين الله وشريعته الذين يراهم الناس موضع الأسوة والقدوة.

إن هذا الشعور القوي بما عليه من مسئوليات هو مفتاح شخصيته في رأينا، هذه الشخصية التي جعلته يأتي بالعجب العجاب في زمنه، فصار من الخالدين على مر الزمان.

إن إحساسه بما عليه من مسئولية باعتباره ابنا من أبناء الإسلام والعروبة، جعله يجاهد بنفسه في حرب التتار لتحرير الوطن الكبير منهم، ودفع شرهم عن الإسلام والمسلمين؛ وبذلك كان فعالا لا واعظا قوالا فقط كما هو شأن الأكثرية الكاثرة من رجال الدين هذه الأيام!

وإن إحساسه بما فرض الله من مسئوليات - باعتباره عالما من علماء الدين، والعلماء ورثة الأنبياء - في بيان الدين والحفاظ عليه، ألقى على كتفيه تبعات ثقالا قام بها خير قيام على ما رأينا، أو على ما سنرى في فصول البحث القادمة، إن شاء الله تعالى.

ابن تيمية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٢٦