فقد رأينا كيف كانت هزيمة التتار الساحقة، وبخاصة في موقعة «شقحب»؛ نتيجة لسعيه المشكور في جمعه جيش مصر مع جيش الشام في الميدان، ولتحريضه الدائب للسلطان والأمراء والناس جميعا على الثبات، والثبات للعدو الداهم العظيم البأس والخطر.
ونرى سنة 699 التتار يقتربون من دمشق فتزايد فزع الأهلين، وطلب سيف الدين قبجق من نائب القلعة تسليمها لهم فأبى، ثم تكلم معه أعيان البلد في ذلك فأبى أيضا وصمم على ترك تسليمها إليهم وفيها عين تطرف، ونحن نقول: لماذا وقف نائب القلعة هذا الموقف المجيد؟
ذلك ما يجيب عنه ابن كثير في تاريخه إذ يقول: إن الشيخ تقي الدين أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبق فيها إلى حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت! وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام، فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لهم.
10
وقصارى القول: إن الله «أحيا به الشام، بل والإسلام بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأب النفاق وأبدى صفحته» كما يقول الحافظ الذهبي في ترجمته له في معجم شيوخه.
11
وذلك لأن الله فطر قلوب الناس والملوك والأمراء على طاعته والانقياد له في أغلب الأمر؛ لأن تأثيره عليهم كان قويا عظيما، فقد كان إيمانه بالله وبما يقول مددا ضخما لقوة تأثيره، كما كان لتكوينه الجسمي والعقلي ما يجعله مهيبا مسموع الكلمة.
فقد ذكر الذين رأوه ووصفوه أنه كان قوالا بالحق نهاء عن المنكر، ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة، كما كان أبيض شديد سواد الرأس واللحية قليل الشيب، شعره إلى شحمتي أذنيه، عيناه لسانان ناطقان، ربعة بين الرجال، جهوري الصوت، فصيح اللسان، مع فرط ذكاء، وسيلان ذهن.
كل هذا، وما إليه من سائر خلاله وصفاته العقلية والخلقية جعل لكلامه ومواقفه التأثير القوي والعاقبة الطيبة، حتى نصر الله به الجيش، وأعز به الإسلام والمسلمين.
كفاحه الظلم
ننتقل بعد ذلك إلى مواقفه المحمودة القوية ضد الظلم والظالمين، وضد البدع والمنكرات وأصحابها والمتشيعين لها، وقد فطره الله تعالى على ما علمنا من الجهر بالحق لا يخاف فيه لومة لائم، كما كان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل الجاد لإزالته.
كان لشيخ الإسلام من الإيمان والشجاعة والتأسي برسول الله وصحابته، ومن الأخلاق الرفيعة القوية، ما يجعله لا ينام على ظلم ولا ينيم الظالم مهما يكن بأسه شديدا؛ وذلك لما رواه سيدنا أبو بكر أنه سمع الرسول
صلى الله عليه وسلم
يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه.»
كما كان له من ذلك كله ما يجعله لا يرى الوقوف على إنكار المنكر بلسانه، فإن هذا هو أضعف الإيمان كما جاء في الحديث، بل هو يعمل بقوة لإنكاره باللسان ثم باليد إن لزم الأمر.
وهو في هذا يتأسى بالرسول
صلى الله عليه وسلم
إذ يقول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم.»
والباحث في كتب التاريخ والتراجم يجد الكثير من مواقف ابن تيمية لله في هذه الناحية، ولكننا نكتفي هنا بذكر القليل منها مما يدل دلالة كافية قوية على ما نريد: (1)
يذكر ابن شاكر الكتبي، على سبيل التمثيل بشجاعته وعمله على رفع الظلم، أن رجلا من الناس شكا إليه من ظلم نزل به من قطلو بك الكبير، وكان هذا فيه جبروت ويأخذ أموال الناس غصبا، فدخل عليه الشيخ غير هياب ولا وجل، وتكلم معه فيما جاء به إليه، فقال له قطلو بك: أنا كنت أريد أن أجيء إليك لأنك عالم زاهد! يعني الاستهزاء به، فقال له الشيخ: موسى كان خيرا مني، وفرعون كان شرا منك، وكان موسى يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات، ويعرض عليه الإيمان.