6 (2)
وفي سنة 700 اشتد الخطر على الشام من ذلك العدو الرهيب، فأصبح الناس ما بين هارب أو لا يجد بدا من الاستسلام، فخرج الشيخ في مستهل جمادى الأولى - والناس على خطة صعبة من الخوف والفزع - إلى نائب الشام، فثبتهم وقوى جأشهم ووعدهم النصر على الأعداء إن صبروا وأعدوا العدة للقائه، وتلا قوله تعالى:
ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ، وبات عند العسكر.
ثم لم يجد أولو الأمر والناس ملاذا إلا إليه، فطلب النائب والأمراء إليه أن يركب على البريد إلى مصر يستحث السلطان أن يجيء بالجيش لإنقاذ الشام، وهنا في القاهرة قال لهم فيما قال: «إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن»، ثم قال: «لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم.» وقوى جأشهم وضمن لهم النصر هذه الكرة، فخرجوا إلى الشام وكان الظفر والنصر.
7
ويصف ابن رجب هذه السفارة التي نجحت نجاحا عظيما بقوله: وقد سافر الشيخ على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء التتر سنة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: «إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم»، وتلا عليهم قوله تعالى:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ، وقوله تعالى:
إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا .
وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكان هو القاضي حينئذ، فاستحسن ذلك وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام.
8 (3)
ولم يكتف الشيخ بالعمل الدائب على تحريض الناس والسلطان والأمراء في مصر والشام على القتال، بل نراه سنة 702 يلقي بنفسه في الميدان، وذلك في واقعة «شقحب» التي جمع فيها التتار جموعهم واستعدوا لها بكل قواهم، وكان بسبب ذلك أن بلغت القلوب الحناجر وزلزل الناس زلزالا شديدا.
في هذه الموقعة شهد ابن تيمية القتال بنفسه، وقاتل فيها هو وجماعة من أصحابه، وكانت في رمضان من العام المذكور، وانتهت بنصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، وقتل فيها من التتار خلق كثير لا يعلم عدتهم إلا الله بحيث لم يسلم منهم إلا القليل. واستقرت القلوب بهذا الفتح العظيم والنصر المبارك الكبير، وأقبل الناس على الشيخ بالتهنئة والدعاء بما يسر الله على يديه من الخير الكثير.
وذلك - كما يذكر ابن كثير
9 - بأن العسكر الشامي ندبه إلى السير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، ففعل ذلك وجاء هو وإياه إلى المدينة، ثم سأله السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم.
ثم أخذ يحرض السلطان على القتال، وبشره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون عليهم، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.
الله أكبر، والعزة له تعالى ولرسوله وللمؤمنين، ما أكبر هذه الثقة بالله التي ملأت قلب ابن تيمية وفاضت على كل من حوله من المجاهدين المقاتلين! إنها ثقة المؤمن الصادق القول في ربه القوي العزيز، فكأنه كان يستشف الغيب من ستار رقيق.
ولم لا؟ والله لن يخلف وعده، وقد وعد في كتابه العظيم عباده المؤمنين بالنصر؛ إذ قال:
وكان حقا علينا نصر المؤمنين ، وقال:
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ، ومن أوفى بعهده ووعده من الله!
أثره في هذا الجهاد
نكتفي بهذه المواقف لابن تيمية في جهاد التتار بنفسه، فهذه المواقف كثيرة نستطيع أن نعد منها لا أن نعدها كلها، ونعتقد - ويؤيدنا التاريخ والواقع فيما نعتقد - أن أثر الشيخ العظيم كان كبيرا وفعالا في هذه الناحية.