تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .

والمؤمن القوي بإيمانه بالله وتوكله حق التوكل عليه وحده، لا تهوله كثرة الأعداء، ولا ينخلع قلبه لمرأى الجموع الزاحفة، فهو يلجأ لله القوي العزيز وليه وناصره، ويندفع للجهاد طالبا إحدى الحسنيين: الظفر والنصر، أو الاستشهاد في سبيل الله والحق، وحينئذ يكون بفضل الله ومشيئته من الذين قال فيهم:

يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم .

3

وبهؤلاء المؤمنين الأقوياء بالله والذين صدقوه ما وعدوه، انتصر الإسلام، وغلبت القلة المؤمنة الكثرة المشركة بفضل الله، وانتشر الإسلام شرقا وغربا حتى ملأ الأرض، ودالت دولتا الأكاسرة والقياصرة، والله دائما مع المؤمنين.

المدافع عن الدين والوطن

وابن تيمية لم يكن على ما عليه الجمهور من علماء الدين هذه الأيام، بل كان مؤمنا حقا بالله، عاملا بشريعته، متوكلا حق التوكل عليه، معتزا بحوله وقوته، عالما بأن الجهاد في سبيل الله والوطن من أفضل القربات إلى الله، وأنه فرض على القادر عليه بنفسه وماله أو بهما كليهما معا، موقنا بأن الله لا يضيع أجر المجاهدين والعاملين، وبأنه تعالى فضل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما.

لم يتردد، إذن، الشيخ ابن تيمية في أن يكون في طليعة المجاهدين للتتار بنفسه، هؤلاء الذين زحفوا على الشام كالطوفان أو السيل العرم، والذين لا تصلهم وشيجة بالعرب أو الإسلام من جنس أو عقيدة، والذين كانوا يرون أنه لن تقف أمة أو دولة أو قوة أمامهم في أي بلد من البلاد في العالم كله.

وهنا يظهر ابن تيمية العالم العامل، المؤمن القوي، المجاهد في سبيل الله وأمته حامية دينه وشريعته ومثله العليا، فتكون له مع هذا العدو الداهم مواقف محمودة من الله والناس، وتكون لهذه المواقف آثارها العظيمة في إذكاء الروح الديني والوطني لدى الملوك والسلاطين وعامة الناس.

وتكون النتيجة أن عرف التتار الهزيمة الساحقة بعد طول انتصارهم، وبذلك كفى الله أخيرا الإسلام والعرب والمسلمين شرهم إلى الأبد.

مواقف مجيدة

ونحن نذكر هنا بعض هذه المواقف المجيدة، وبهذا يتبين لنا أي رجل كان ابن تيمية في هذه الناحية بعد أن عرفنا سابقا كيف كان في علمه وفضله ودينه: (1)

لما زحف التتار على الشام، وتسامع الناس بأنهم يريدون أيضا قصد مصر، تملك الرعب قلوب الأهلين، واتفق بعض أعيان البلد والشيخ على لقاء ملكهم قازان

4

فذهبوا إليه وتكلم معه ابن تيمية كلاما شديدا، وكانت الغاية أخذ الأمان لأهل دمشق ثم إيقاف زحفهم الداهم وإنقاذ العباد والبلاد منهم.

ويشير بعض المؤرخين إلى هذه المقابلة (كانت سنة 699) بقوله: إن شجاعته كانت تضرب بها الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، وقد أقامه الله في نوبة غازان، وقام بأعباء الأمر بنفسه، واجتمع بالملك مرتين، وكان «سيف الدين قيجق المنصوري»

5

يتعجب من إقدامه على المغول (هم التتار).

قال القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل الله في ترجمته: جلس الشيخ إلى السلطان غازان؛ حيث تجم الأسود في آجامها، وتسقط القلوب داخل أجسامها ... خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمروذ المحتال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال ...

جلس إليه، وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره (كان الحديث طبعا بواسطة ترجمان)، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا له دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه.

ابن تيمية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٢٣