ويذكره الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، أحد الحفاظ المعروفين، فيقول في كلام طويل: «كاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إذا تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وروايته، أو حاضر بالنحل والملل لم تر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته.
برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه ...» إلى آخر ما قال.
10
وذكره الشيخ عماد الدين الواسطي، وقد توفي قبله، فقال بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: «فوالله، ثم والله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علما وعملا، وحالا وخلقا، واتباعا، وكرما وحلما، وقياما في حق الله عند انتهاك حرماته. أصدق الناس عقدا، وأصحهم علما وحزما، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفا، وأكملهم اتباعا لنبيه محمد
صلى الله عليه وسلم ...»
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقد سئل رأيه فيه بعد اجتماعه به، فقال: «رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما يشاء ...»
11
وننتهي من كلام الأئمة الحفاظ والمؤرخين الدال على عظم مكانة ابن تيمية العلمية، بتلخيص كلمة الحافظ ابن ناصر الدين، وذلك إذ يذكر بعد ثناء جميل وكلام طويل: حدث عنه خلق كثير، منهم الذهبي والبرزالي وأبو الفتح بن سيد الناس، وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس، وقال الذهبي في عد مصنفاته المجودة: وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة.
12
وأثنى عليه الذهبي وخلق بثناء حميد، منهم الشيخ عماد الدين الواسطي، والعلامة تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، و(كمال الدين) بن الزملكاني، وأبو الفتح (لعله يريد: ابن سيد الناس)، وابن دقيق العيد.
وحسبه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل، أبي الحجاج المزي الحافظ الجليل: «ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه.»
وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفنون، ابن الزملكاني والذهبي والبرزالي بن عبد الهادي، ولم يخلف بعده من يقاربه في العلم والفضل.
13
هكذا كان الشيخ العظيم فذا في عصره، وإماما يقتدى به في حياته وبعد مماته، ونجما متألقا لم يعتره أفول منذ ولد حتى اليوم، لم ير في عصره مثله ولم ير هو أحدا مثل نفسه كما قيل عنه بحق من بعض من ترجموا له، وكان وما يزال بحرا زخارا بالعلم ارتوى منه معاصروه، ويرتوي الناس منه في كل جيل وزمان ومكان.
الفصل الثاني
| جهاده التتار وكفاحه الظلم والمنكرات
المؤمن الصادق القوي
الإسلام عقيدة وعلم، هو الاعتقاد والإيمان الصادق الذي لا ريب فيه بالله الواحد الأحد، مالك الأمر كله، وله مقاليد السماوات والأرض وما بينهما، وهو مع هذا عمل بما توجبه هذه العقيدة وتدفع إليه من شرائع وأحكام، وتعاليم وأخلاق وآداب.
ومتى صار الإنسان إلى هذه العقيدة فملكت عليه نفسه وقلبه، وأصبح لا يعيش إلا بها ولها؛ كان مؤمنا صادقا قويا حقا، وهان عليه كل أمر بعد ذلك، وعز به الإسلام والمسلمون كما كان شأن الصدر الأول من المسلمين ومن ساروا على طريقهم من بعد.
وفي هؤلاء المؤمنين وأمثالهم يقول الله تعالى:
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ،
1
ويقول:
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون .
2
والمؤمن القوي هو قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد، وهو أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ويكون لهذا أهلا لتأييد الله ونصرته، وذلك وفاء من الله بوعده؛ إذ يقول:
وكان حقا علينا نصر المؤمنين ، ويقول: