7
ومع ذلك يقول فيه:
8 «كان إذا سئل عن فن من الفنون ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في سائر مذاهبهم منه ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك!
ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله والمنسوب إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.»
ولم يكتف ابن الزملكاني بهذا، بل كتب على بعض تصانيف الشيخ هذه الأبيات، وهي كما ترى ناطقة بمبلغ ما وصل إليه ابن تيمية من العلم والفضل:
ماذا يقول الواصفون له؟
وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة
هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة
أنوارها أربت على الفجر
ولا ندري مع هذا الثناء والتقديم العظيم كيف يصدق ما ذكره ابن كثير من أن ابن الزملكاني كانت نفسه خبيثة، وأنه كان يروم أذى ابن تيمية! ولعل الحق أنه قدره حق قدره وأثنى عليه بصفة عامة، وهذا لا يمنع من خلافه له في بعض الآراء الفقهية ورده عليها ردا عنيفا، وبخاصة أنهما كانا متعاصرين ومن كبار العلماء، فقد توفي ابن الزملكاني سنة 727.
هذا، وبالرجوع إلى الذين ترجموا له من معاصريه ومن جاءوا بعده؛ مثل ابن الوردي في تاريخه، والحافظ شمس الدين الذهبي في كتبه العديدة، وابن الألوسي في «جلاء العينين»، وابن رجب في طبقاته، وصلاح الدين بن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات»، وابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب»، نقول: إنه بالرجوع إلى هؤلاء ونحوهم من أثبات المؤرخين، نعلم أن ابن تيمية بذل غاية الجهد لطلب العلم من أبوابه، وتنوعت دراساته حتى شملت علوم عصره كلها، وأنه بلغ الغاية وصار إماما في الكثير منها.
ولا نرى الإطالة في هذا، فحسبنا ما ذكرناه سابقا عن نشأته ودراساته، ومن يريد التفصيل فما عليه إلا أن يرجع إلى المراجع التي ذكرناها، ففيها الخبر اليقين عن العلوم التي حصلها وبرز فيها جميعا.
مكانته العلمية والدينية
بلغ من نبوغ ابن تيمية أنه تأهل للتدريس والفتوى وهو في صدر شبابه قبل أن يتم العشرين من عمره، ثم قام بوظائف أبيه العلمية بعد وفاته وله حينئذ عشرون سنة أو تزيد قليلا.
وعنه يقول الإمام الذهبي في «معجم شيوخه»:
9 «شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.
سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه ... واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ ما يحفظه من الحديث معزوا إلى أصوله وصحابته ...
وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقول بما دليله عنده.
وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتدليلا واختلافا، ونظر في العقليات (نعتقد أنه يريد بصفة خاصة الفلسفة وعلومها)، وعرف آراء المتكلمين ورد عليهم ونبه على خطئهم وحذر منهم.
ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نشر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه وهدى به رجالا من أهل الملل والنحل.
وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبا وعلى طاعته، وأحيا به الله الشام بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم ...
ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.»