وكان الطب يدرس في تلكم الأيام على ما ينبغي؛ أي من الناحية النظرية والعملية، فقد كان في القاهرة ودمشق وحلب مدارس للطب خاصة، كما كان هذا العلم يدرس في مدارس أخرى بجانب غيره من العلوم، وكانت المارستانات موطن الدراسة العلمية لهذا العلم.
ومن أجل ذلك كله، نستطيع أن نقرر بأن هذا العصر كان عصرا مجيدا من ناحية الثروة العلمية التي جمعت فيه في علوم الدين واللغة والتاريخ وعلوم الحياة أيضا، حتى إنه ليعتبر بحق عصر المؤلفات المطولة والموسوعات الجامعة في علوم القرآن، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وطبقات الرجال، وغيرها من العلوم الإسلامية المختلفة.
ولكنه لم يكن فيه من أصالة الفكر والتجديد والابتكار في الآراء، حظ كبير يتميز به ويتناسب ولو إلى حد ما مع كثرة ما جمع فيه من معارف وعلوم، اللهم إلا ما كان لدى نفر قليل على رأسهم الشيخ ابن تيمية كما سنعرف بعد حين.
هذا، وقد كان لإنشاء المدارس آثار طيبة جدا من نواح كثيرة، ولكن - في رأينا - كان لها أثر آخر غير محمود نكتفي هنا بالإشارة إليه؛ ونعني به أنها أذكت روح التعصب بين الفقهاء والعلماء، وهذا ما أدى إلى تباغضهم وتحاسدهم أحيانا كثيرة.
فقد كانت المدرسة تخصص أحيانا لعلم واحد كالحديث، أو لمذهب واحد من المذاهب الفقهية، وهكذا، فكان كل فريق بما لديهم فرحين وعليه مستمسكين وله ينصرون، غير مبالين ولا طالبين في حالات كثيرة للحق في ذاته، وغير ملتفتين إلى أن العلم وطلبه يقضي بالتعاون والتناصر عليه متى ظهر في أي جانب ومهما كان قائله.
ولهذه العصبية التي قد تؤدي إلى الخلاف والجدل بغير حق، عرق قديم في العالم الإسلامي كما في سائر العالم كله بين أصحاب المقالات والمذاهب المختلفة؛ نعرف ذلك بين أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها من مذاهب الشيعة وابن حزم، ونعرفها بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من رجال الفرق الإسلامية، ونعرفها بين أهل السنة وأهل الرأي، ونعرفها بين الفلاسفة والمتصوفة، وبين غيرهم من رجال الفقه وعلم الكلام.
كما نعرفها أخيرا بين الشيخ ابن تيمية وبين من عاصره من الفقهاء والمتصوفة والفلاسفة وغيرهم من رجال المذاهب والفرق في العقائد الدينية.
وقد أدت هذه العصبية التي بلغت أحيانا حدا ممقوتا، إلى جدل عنيف؛ بل إلى معارك شديدة، وكان من آثار ذلك طمس الحق وضياع معالمه، وبخاصة بسبب ما كان يذكيها ويزيد في أوارها من اختلاف مناهج التفكير، والاعتماد على النقل عند فريق مهما يؤد إليه، أو الاعتماد على العقل والمنطق مهما تكن نتائجه عند فريق آخر؛ ولله في خلقه شئون! يؤتي الحكمة في القول والعمل لمن يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. •••
ومهما يكن من أمر، فقد ظهر ابن تيمية في هذا الوسط الزاخر بالمعرفة والعلم من قديم الزمن وحديثه حتى الأيام التي عاش فيها، وأفاد من ذلك أكثر بكثير جدا مما أفاد معاصروه، وساعده على هذا الهبات الكبيرة الجليلة التي منحها الله له: نفس طلعة، وقلب مشغوف بحب المعرفة والعلم، وعقل نافذ لما فات غيره، وحافظة لا تضيع، وذاكرة قوية لا تنسى.
ولم تكن هذه المناهل العلمية الدافقة هي كل ما أفاد منه الشيخ، بل كان من الطبيعي أن يستفيد أيضا من كبار الشيوخ الذين عاصروه أو سبقوه بقليل من الزمان، أمثال الحافظ ابن عساكر وابن الأثير في التاريخ، كما أفاد من ابن قدامة، وابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، ومحيي الدين النووي، وابن دقيق العيد، في الفقه وأصوله والتفسير والحديث واللغة وغيرها من العلوم الإسلامية.
16
وبعد، فقد جلينا فيما نعتقد عصر ابن تيمية من نواحيه المختلفة كلها، ومن أجل هذا ننتقل إلى الشيخ نفسه لنعرف حياته، وما كان فيها من صراع وكفاح وجهاد، انتهى به إلى أن صار حقا من الخالدين.