تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الباب الثاني

| حياة ابن تيمية

عرفنا العصر الذي عاش فيه الشيخ العظيم، وما سبقه مما يعتبر عصره امتدادا له، من النواحي السياسية والعلمية والاجتماعية. ونأخذ الآن في الكشف عن حياته الحافلة بالنشاط والأحداث من جوانبها المختلفة، وسيكون هذا في فصول أو مباحث على هذا النحو: (1)

أسرته، ونشأته ودراساته ومكانته العلمية. (2)

جهاده في حروب التتار. (3)

مواقفه مع مخالفيه. (4)

محنته في مصر والشام ووفاته.

أما آراؤه الفقهية والكلامية، والسياسية، والاجتماعية، وغيرها في النواحي العلمية الأخرى، فستأتي بعد ذلك في الأبواب الأخرى.

الفصل الأول

| أسرته ونشأته ودراساته ومكانته العلمية

أسرته

نبت ابن تيمية من أسرة ثابتة الدعائم قوية الأركان، فهي كدوحة سامقة وارفة الظلال، أو كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فكانت هي وهو كما يقول الشاعر العربي:

وهل ينبت الخطي

1

إلا وشيجه

وتغرس إلى في منابتها النخل

وفي الحق، إنه سليل أسرة كريمة اشتغل أبناؤها بالعلم، وكلهم عرف به وبرز فيه، فعني تاريخ الفقه والعلم بهم، وخلد أسماءهم والكثير من آثارهم.

فأبوه هو شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، نزيل دمشق، ولد بحران

2

سنة 627، وسمع من أبيه وكثيرين غيره، حتى إذا أتقن العلوم درس وأفتى وصار شيخ البلد وخطيبه وحاكمه.

ويذكر الذهبي في تاريخه أنه قرأ المذهب الحنبلي على أبيه حتى أتقنه، ودرس وأفتى وصنف، وكان إماما محققا كثير الفنون، دينا متواضعا حسن الأخلاق، كما كان جوادا من حسنات العصر، وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى من نور القمر وضوء الشمس؛ يشير بذلك إلى أبيه وابنه.

ويقول البرزالي عنه: «كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.»

3

ذلك أبوه، وأما جده فهو شيخ الإسلام مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني، الفقيه الحنبلي، الإمام المقرئ المحدث المفسر الأصولي النحوي، وأحد الحفاظ الأعلام.

ولد بحران سنة 590 تقريبا، وحفظ القرآن الكريم بها، وسمع من عمه الخطيب فخر الدين وغيره، ورحل في سبيل طلب العلم إلى بغداد سنة 603، وأقام بها ست سنوات يشتغل بأنواع العلوم، ثم عاد إليها (بعد أن كان قد رجع إلى حران) فازداد فقها وعلما.

ويذكر الذهبي عن ابن تيمية الأشهر؛ أي الحفيد موضوع هذه الدراسة، أنه قال: «كان جدنا عجبا في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة.» وينقل عنه أيضا أن الشيخ جمال الدين بن مالك قال: «ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين الحديد لداود!»

وذكر الذهبي أيضا أن الشيخ مجد الدين كان معدوم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله، بارعا في الحديث وما فيه، له اليد الطولى في معرفة القراءات والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر اسمه وبعد صيته، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب الحنبلي، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن.

4

وإذا تركنا أباه وجده نجد آخرين كثيرين مشهورين من أعضاء هذه الأسرة الكبيرة من الرجال والنساء، لكل منهم مقامه في العلم في زمنه، ولا نرى التعرض لذكرهم، فأمرهم معروف في التاريخ، فليرجع إلى كتب تاريخ الرجال والطبقات من يريد معرفة ما كان لهم من كبير المنزلة وعظم الأثر.

نشأته ودراساته

أكد العلم الحديث ما عرفه القدامى من العرب من أن الوراثة والبيئة هما العاملان اللذان لهما أكبر الأثر على ما يكون عليه الإنسان في نشأته وتربيته ومستقبله، وأنه بالوراثة تنتقل الاستعدادات الخلقية والعقلية من جيل إلى جيل، وأن البيئة هي التي تمهد لظهور هذه الاستعدادات فعلا.

وقد جمع الله لابن تيمية كل العوامل التي جعلت منه رجلا عظيما فريدا في عصره في الفقه وسائر العلوم الإسلامية: من وراثة طيبة قوية، وبيئة صالحة تزخر بالعلم وتدفع إليه دفعا، عقل واع ألمعي، وحافظة ذاكرة لا تنسى ما وعته، وشجاعة تستهين بالأخطار في سبيل الحق، وإرادة لا تقف أمامها العقبات، وغير ذلك كله من أسباب العبقرية والنجاح والنبوغ والخلود على الأيام، وصدق العليم الحكيم إذ يقول:

ابن تيمية · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ١٩