10
وكان بالقاهرة أيضا المدرسة الصالحية التي بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعلها لفقهاء المذاهب الأربعة؛ إذ رتب لكل أصحاب مذهب درسا فيها في سنة 641، وهو أول من عمل بديار مصر دروسا أربعة في مكان كما يقول المقريزي.
11
ويذكر المقريزي بعد ذلك المدرسة المنصورية التي بناها هي والقبة التي تجاهها الملك المنصور قلاوون الألفي سنة 684، ورتب بها دروسا أربعة لأصحاب المذاهب الأربعة المعروفة، ودرسا للطب، كما جعل بالقبة درسا للحديث ودرسا للتفسير، وكانت هذه التداريس لا يعمل فيها إلا أجل الفقهاء المعتبرين.
ويذكر المقريزي أنه كان بهذه القبة خزانة جليلة كان فيها عدة أحمال من الكتب في أنواع العلوم، مما وقفه الملك المنصور وغيره، وقد ذهب معظم هذه الكتب وتفرق في أيدي الناس.
12
وذكر هذا المؤرخ بعد ذلك المدرسة الناصرية التي كمل بناؤها سنة 703، وكان هذا بأمر الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت لأصحاب المذاهب الأربعة، يقوم بتدريس كل مذهب فقيه من أجل فقهائه، كما كان لطلابها معاليم تجري عليهم.
وأخيرا، نذكر من مدارس القاهرة المدرسة المحمودية التي أنشأها الأمير محمود بن علي الأستادار سنة 797، وكانت خارج باب زويلة كما يذكر المقريزي في خططه، كما يقول: «وعمل بها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشام مثلها ... وبهذه الخزانة كتب الإسلام من كل فن، وهذه المدرسة من أحسن المدارس في مصر.»
13 •••
وإذا تركنا مصر إلى بلاد الشام، نجد الأمر مثل ذلك أو قريبا منه في هذه الناحية، ولا عجب أن يكون هذا؛ فقد كان هذان القطران الشقيقان بلدا واحدا في ذلك العصر، وقد صار في هذه الأيام التي نعيش فيها بلدا واحدا كما كانا من قبل بفضل الله تعالى.
وكان الفضل الكبير في هذا العصر، في إنشاء هذه المدارس، أو المراكز العلمية الهامة، للسلطان صلاح الدين،
14
ولأبنائه الملوك من بعده، ثم للأمراء ومن إليهم من ذوي الجاه والفضل، ثم تتابع الأمر أيام دولة المماليك الذين عاش في أيامهم ابن تيمية.
والباحث في الكتب التي أشرنا إليها آنفا، وفي أمثالها من المراجع التي أرخت لمصر والشام في القرن السادس والسابع وما بعدهما، يتبين أن مدائن الشام كانت زاخرة بالمدارس والمعاهد العلمية التي كانت مثابة للطلاب والشيوخ، وأنه تخرج ودرس فيها كثير لا يحصون من الفقهاء والعلماء الذين برزوا في فنون العلم وفروعه العديدة المختلفة، حتى الطب والهندسة وما إليهما.
15
ففي دمشق وحدها وجد في القرنين السادس والسابع نحو تسعين مدرسة للفقه بمذاهبه المختلفة، وللتفسير والحديث وغيرهما من العلوم الدينية الإسلامية وعلوم اللغة العربية، وكان منها أربع للطب وحده؛ إذ كان يدرس نظريا في المدارس وعمليا في المارستانات أو المستشفيات بلغتنا الحالية.
وكان لمدينة حلب حظها الموفور من هذه المدارس، فهي ثاني المراكز العلمية في الشام بعد دمشق، كما كانت مثابة للعلماء وإليها يرحلون. وكذلك كان الحال في القدس وحماة وحران وحمص، وغيرها جميعا من بلاد الشام، ففي كل هذه المدن والبلاد كانت مدارس عديدة زاهرة تعج بالعلم وطلابه وشيوخه.
هذه العلوم وأثرها
كانت مصر والشام في العصر الذي عاش فيه ابن تيمية؛ أي في القرنين السابع والثامن (وكل منهما يعتبر إلى حد كبير امتدادا للقرن السابق له)، يموجان موجا بالعلم على مختلف فروعه، وبالثقافة بمتنوع ألوانها، وكان طريق العلم والمعرفة ممهدا لسالكيه.
كان يدرس في هذه المؤسسات العلمية التي ملأت البلاد: علوم القرآن، والتفسير، والحديث، والسنة النبوية، والفقه بمذاهبه المعروفة، والنحو والصرف، وسائر علوم اللغة العربية، والتاريخ، وتاريخ الرجال وطبقاتهم ...
وبجانب هذه العلوم الإسلامية المعروفة، كان يوجد مكان ملحوظ لعلوم أخرى من علوم الحياة؛ مثل: الفلسفة، والهيئة أو الفلك، والهندسة، والرياضيات، والطب وما يتصل به، إلى غير ذلك كله مما عرفه العرب والمسلمون من علوم وفنون عديدة مختلفة.