2 •••
وكان من سمات هذا العصر أيضا قوة أمر التصوف واشتداد نفوذ رجاله على العامة من الناس ومن إليهم، بل على بعض الفقهاء والسلاطين كذلك. ولعل هذا كان من عوامل ضعف الحركة العلمية؛ فإن العلم يعتمد على العقل والفكر، على حين يعود التصوف - إن كان تصوفا حقا - إلى الذوق والوجدان.
وزاد التصوف قوة على قوته، ما أثر عن الإمام الغزالي من إشادته به حتى جعله الطريق الصحيح الموصل إلى الله تعالى، وذلك في كتابيه المشهورين: «إحياء علوم الدين»، و«المنقذ من الضلال»؛ هذان الكتابان اللذان كان لهما أثر كبير في ذلك العصر وفيما جاء بعده من عصور حتى اليوم.
كما زاد من قوته أيضا ظهور كثير من رجاله في ذلك العصر حتى صاروا من أقطابه المشاهير، ويكفي أن نشير في مصر وحدها إلى الشيخ أبي العباس أحمد البدوي المتوفى سنة 675، والشيخ إبراهيم الدسوقي المتوفى سنة 676. وهذا فضلا عن المتصوفة ومدعي التصوف الذين كانوا منبثين في جوانب العالم الإسلامي، وكان لكل منهم نفوذه على المحيط الخاص به. •••
ونذكر أخيرا من ملامح هذا العصر الواضحة، ما كان من عداء ملحوظ للفلسفة والمشتغلين بها تعلما وتعليما، وكان السبب القوي لذلك حملة الغزالي عليها وعلى رجالها حملات أصابتها في الصميم ودعت الفيلسوف ابن رشد للرد عليها والانتصاف لها.
3
وحسبنا هنا أن نشير إلى حادث قتل شهاب الدين السهروردي وهو في ميعة الصبا حتى صار معروفا في التاريخ بأنه «الشاب المقتول»، وقد كان كما يقول ابن أبي أصيبعة: «أوحد في العلوم الحكمية، بارعا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء جيد الفطرة»، ولكن الفقهاء شنعوا عليه ورموه بالتفلسف والإلحاد، بعد أن كان ناظرهم في حلب فأفحمهم.
إلا أنهم عملوا محاضر بكفره رفعوها إلى السلطان صلاح الدين بدمشق، وطلبوا منه استئصال الشر بقتله حتى لا ينفث إلحاده بكل بلد يحل فيه، فكان لهم ما أرادوا، وفعلا قتل بأمر السلطان، وكان ذلك بحلب سنة 587، عن ستة وثلاثين عاما.
4
ونجد بعد هذا، فتوى خطيرة تتسم بطابع ذلك العصر، وكان لها أثرها البالغ الذي دام قرونا طويلة، وهي فتوى أبي عمر تقي الدين الشهرزوري المعروف بابن الصلاح المتوفى سنة 643، وقد أصدرها إجابة لمن سأله عن حكم الله فيمن يشتغل بكتب ابن سينا وتصانيفه، فقال له: «من فعل ذلك فقد غدر بدينه وتعرض للفتنة العظمى؛ لأن ابن سينا لم يكن من العلماء، بل كان شيطانا من شياطين الإنس!»
وسئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما، فقال من كلام طويل: «الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة ... ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان ...»
إلى أن يقول: «فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المياشيم ... ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتخمد نارهم وتمحي آثارهم ...» إلى آخر ما قال.
ونجد شبيها لهذا الرأي في الفلسفة والحكم عليها، في رأي الإمام الذهبي في القرن الثامن، وهذا إذ يقول: «إن الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها من يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق، وما جاءت به الرسل في شق. وما دواء هذه العلوم وعلمائها القائمين بها علما وعملا إلا التحريق والإعدام من الوجود؛ إذ الدين كان كاملا حتى عربت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون، فلو أعدمت لكان فتحا مبينا.»
5
يا لله، ما أشد هذا التعصب!
ونختم بذكر ابن خلدون في الفلسفة وكتبها والنظر فيها، وذلك إذ يعقد فصلا لإبطال الفلسفة وفساد أمر منتحليها، فيقول فيه: «إن هذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها، مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها.»