22 (د)
وأخيرا، نذكر في هذه الناحية أنه في سنة 726 ضربت رقبة ناصر بن أبي الفضل الهيتي في ظاهر دمشق، بعد أن حكم القاضي المالكي بكفره وزندقته وتلاعبه بدين الإسلام. ويذكر ابن العماد الحنبلي أن الذي ثبتت زندقته عنده هو قاضي القضاة شرف الدين بن مسلم الحنبلي، ثم نقل الثبوت إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي، فأنفذه وحكم بإراقة دمه.
وذكر أيضا أنه في ابتداء أمره عاشر الكبار وانتفع بهم، كما كان كثير المجون، ولما كبر اجتمع بمحلولي العقيدة، مثل ابن المعمار والباجريقي والمنجم بن خلكان وغيرهم، فانحلت عقيدته وتزندق من غير علم.
23
الفصل الثالث
| الناحية العقلية والعلمية
نستطيع أن نقول بصفة عامة: إن هذا العصر كان زاخرا بالعلم والعلماء، وبالإنتاج الكثير الضخم في جميع العلوم الإسلامية أمهاتها وفروعها، وقد بقي لنا حتى اليوم جمهرة المؤلفات في هذه الناحية باختلاف أنواعها وضروبها، فنحن نفيد منها أجل الفوائد؛ إذ تعتبر من مراجعنا الأصلية الأولى، سواء في التفسير والحديث والفقه، أو في اللغة العربية وعلومها، أو في التاريخ وما يتصل به، أو في غير ذلك كله من العلوم الإسلامية المختلفة.
ولكل عصر مميزاته التي يتميز بها عن غيره من العصور وملامحه وسماته التي يعرف بها، ومعالمه التي تمكن الباحث من فهمه وتقديره. ولهذا، ينبغي أن نتكلم عن كل ذلك كلمة موجزة؛ ليكون من مجموع هذه الكلمات ما يجلي هذا العصر الحافل من الناحية الفكرية والثقافية.
ملامح وسمات
ليس لنا أن نقدر أن التجديد والابتكار الفكري كان طابع هذا العصر أو من سماته بوجه عام، بل كانت الظاهرة التي تسوده هي العكوف على ما وصل أهله من تراث العرب والمسلمين السابقين، وهو تراث قيم مجيد بلا ريب، وكان عملهم فيه هو الانكباب عليه لفهمه والإفادة منه، ثم الزيادة عليه ما وسعهم الجهد، دون خروج عن الروح الذي كان يسري فيه، وهو التقيد بالأفكار والآراء التي وصلت إليهم عن الفقهاء والمتكلمين ونحوهم من رجال الدين.
وكان من ذلك جمودهم على المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة يوجبون تقليد واحد منها، وكانوا في هذا متأثرين بالفقهاء السابقين الذين حكموا بسد باب الاجتهاد في القرن الرابع، وقد استمر ذلك فيما بعد، وربما ما يزال ذلك حتى اليوم!
وفي هذا يقول ابن خلدون: «ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه ... وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء ... ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال مسندها بالرواية. لا محصول اليوم للفقه غير هذا، ومدعي الاجتهاد في هذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده، وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأربعة.»
1 •••
وكما جمد الفقهاء على هذه المذاهب الأربعة يتناولون المؤلفات فيها بالشرح حينا والاختصار حينا آخر، جمدت جمهرتهم وجمهرة رجال علم الكلام على مذهب الأشاعرة أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري، وهذا الإمام يعتبر في آرائه وسطا بين السلف وبين المعتزلة على ما هو معروف. وقد استمر هذا التقليد في العقائد الدينية إلى ما بعد ذلك العصر، بل إلى هذه الأيام في أكثر الأمصار الإسلامية، أو فيها كلها تقريبا ما عدا بلاد المملكة العربية السعودية.
وبالرجوع إلى المقريزي المؤرخ الثقة، نجده يتكلم عن الحال في عقائد أهل الإسلام إلى أن انتشر مذهب الأشاعرة، ثم يشرح حقيقة مذهب الأشعري، ويذكر كيف نصره بشدة السلطان صلاح الدين الأيوبي وأولاده الملوك من بعده في مصر والشام ، ثم في أيام مواليهم الملوك الأتراك الذين عاش في عهدهم ابن تيمية.
وفي آخر البحث يقول: «فهذه جملة من أصول عقيدته (أي عقيدة أبي الحسن الأشعري) التي عليها الآن (توفي المقريزي سنة 845) جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه!»