ثم يقول عن علومها الطبيعية وما يستعمله أصحابه من البراهين: «فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه، ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة، فقل أن يسلم لذلك من معاطبها.»
6
ونحن نعتقد أن ما ذهب إليه مؤسس علم الاجتماع من رأي، وما انتهى إليه من حكم، وما قدمه لنا من إرشاد وتوجيه، هو الحق كل الحق، وهو الذي يليق بالعلماء الباحثين غير المتعصبين. •••
هذا، وقد كان لما أجملناه من سمات هذا العصر وملامحه، أثر قوي في الشيخ ابن تيمية؛ فقد كان حربا على الجامدين والمقلدين بغير علم من الفقهاء، وعلى الجامدين على مذهب الأشاعرة في علم الكلام، وعلى المتصوفة والتصوف الذي دخله الكثير من مقالات غير المسلمين وآرائهم.
كما كان لذلك شديد الثورة على الفلسفة ورجالها الذين اعتنقوا كثيرا من نظريات الفلاسفة اليونان وأمثالهم بغير برهان صحيح.
وكل ذلك سنعرفه في الفصل الخاص بحياته ونشاطه بعد حين.
مراكز العلم في هذا العصر
كانت مصر والشام منذ قديم الزمان من مراكز العلم الكبيرة في العالم الإسلامي، ثم زاد خطرهما وأهميتهما في هذه الناحية بعد زوال الخلافة من بغداد سنة 656، وقيامها بعد ذلك في القاهرة، فقد كان هذا سببا طبيعيا لهجرة جمهرة العلماء - أو فرارهم - من بغداد إليها وإلى دمشق، أو إلى غيرهما من مدائن مصر والشام، واستقرارهم فيها، واتخاذها أوطانا لهم تكون مجال نشاطهم الفكري وإنتاجهم العلمي في ضروبه العديدة المختلفة.
إنه بعد هذا الحادث الجلل، نرى انتقال مراكز العلم التي كانت في بغداد والري وبخارى ونيسابور، وغيرها من مدن العراق وغيره من ولايات الدولة العربية الإسلامية أيام العباسيين إلى القاهرة والإسكندرية والفيوم وأسيوط ودمشق وحلب وحمص وحماة، وإلى غيرها من مدن مصر والشام.
ومن ثم نجد في هذا العصر وما تلاه هذه النسب التي يعرف بها العلماء: القاهري، الإسكندري، الفيومي، السيوطي، الدمشقي، الحلبي، الحموي، ونحوها. كما نجد كثيرا من العلماء يقال في تعريف الواحد منهم: نزيل دمشق، أو نزيل حلب، أو نزيل حماة، أو نزيل القاهرة، أو نزيل الإسكندرية ... وهكذا.
وكان المركز من هذه المراكز له جامعه الذي يفد إليه الكثيرون من طلاب العلم ورجاله، ومكتبته الضخمة التي تضم عيون التراث الإسلامي المجيد، فيتزود الراغبون في المعارف والعلوم - من الجوامع والمكتبات الملحقة بها - ما يفيدهم في دينهم ودنياهم، ويعلون بذلك صروح العلم التي بناها العلماء السابقون.
والجامع الأزهر هو بلا ريب قمة هذه الجوامع، وأهم موطن للعلم والمعرفة منذ قديم الزمان؛ فقد أنشأه الفاطميون في النصف الثاني من القرن الرابع، ووقفوا عليه من الأملاك الدارة ما يضمن له الخلود على الزمن، وما يهيئ المعيشة الطيبة لقاصديه من شتى البلاد والجهات، وما ييسر لهم سبيل الدرس والبحث من الكتب والمراجع العلمية العديدة.
وإذا تركنا جوامع القاهرة التي كانت تعتبر بحق مواطن العلم والبحث والدرس، نجد في هذه الناحية جامع العطارين بالإسكندرية الذي أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالي سنة 477، كما يذكر أبو المحاسن في كتابه «النجوم الزاهرة». وكان هذا الجامع ينبوعا من ينابيع العلم والثقافة طوال عصر الحروب الصليبية وبعده، كما كان حافلا دائما في تلك الأيام بطلاب العلم وشيوخه الذين يقومون بالتدريس فيه.
ونجد في الشام جامعه المعدود في طليعة معاهد العلم فيها، والذي درس فيه طائفة من أعيان العلماء الذين لا زلنا نتدارس آثارهم في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ والنحو، وغير ذلك من علوم الدين واللغة العربية.
ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ، الحافظان الكبيران: ابن عساكر، وعبد الغني المقدسي، وتوفي الأول عام 571، والثاني عام 600، وكلاهما من رجال الحديث وعلومه المشاهير.