أهل اللغة إنما وضعوه لهذا وهذه ، ولهذا وهذه فاستعماله فيها جميعا استعمال في غير ما وضع له . ولهذا كان المرجح قول المسوغين لأن استعماله فيما غايته أن يكون استعمالا له في غير ما وضع له ، وذلك يسوغ بطريق المجاز ، ولا مانع لأهل اللغة من أن يستعملوا اللفظ في غير موضوعه بطريق المجاز ، على أن إطلاق القول بأن هذا استعمال له في غير موضوعه فيه نزاع ، كإطلاق القول في اللفظ العام المخصوص أنه استعمال له في غير موضوعه ، ومنه : استعمال صيغة الأمر في الندب ونحو ذلك ، فإن طوائف من الناس يقولون بعض المعنى ليس هو غيره فلا يكون ذلك استعمالا له في غير موضعه ، ولا يجعلون اللفظ بذلك مجازا ، وهذا قول أئمة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الطيب وغيرهما . واستعمال اللفظ المشترك في معنييه ضد استعمال العام في بعض معناه فإنه موضوع لهذا مفردا ولهذا مفردا فجمع بين معنييه ، ومثل هذا لا يقر مثل هؤلاء بأنه عين معناه إذ هو معناه مفردا ومعه غيره ، وكما أن بعض الشيء ليس بغير له عندهم فلا يصير الشيء غيرا لنفسه بالزيادة عليه لا سيما إذا كان المزيد نظيره ، وليس المقصود هنا تكميل القول في هذه المسألة ، ولكن نبين حقيقة ما يحتج به هؤلاء فإن هذا المثل الذي ضربوه مضمونه أن يجعل اللفظ موضوعا لأمر ونهي وخبر ، ويقصد بالخطاب به إفهام كل معنى لمخاطب غير المخاطب الأول ، وهذا جائز في المعقول ، لكن ليس هذا مما ادعوه في الكلام بشيء ، وذلك أن النزاع ليس هو في أن اللفظ الواحد يدل على حقائق مختلفة فإن هذا لا ينازع فيه أحد ، ولا حاجة فيه إلى ضرب المثل ، بل دلالة الألفاظ الموضوعة على حقائق مختلفة كثير جدا ، وإن كان اللفظ خبرا أو أمرا لكن ويدل على حقائق مختلفة ، وإنما النزاع في المعاني المختلفة التي هي مدلول جميع الألفاظ التي أنزلها الله هل هو معنى واحد فالنزاع في المعاني المعقولة من الألفاظ ، وهي أمر الله بكذا وأمره بكذا أو نهيه عن كذا ونهيه عن كذا أو خبره بكذا وخبره بكذا هل هو شيء واحد ، والمعاني لا تتبع وضع واضع ، ومن العجب أن هؤلاء إذا احتجوا على أن الكلام هو معنى في النفس ، قالوا : إن مدلول العبارات والإشارات لا يختلف باختلاف اللغات ولا بقصد الواضعين المتكلمين ، ثم يحتجون على أنه واحد بجواز
الفتاوى الكبرى · الجزء ٥ · الصفحة ٢٦٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٥ · ص ٢٦٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي