تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما استشهد به البخاري أيضا في هذا الباب من : أن الله ينادي عباده يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ، ومثل : أن الله إذا تكلم بالوحي القرآن ، أو غيره سمع أهل السموات صوته ، وفي قول ابن عباس : سمعوا صوت الجبار ، وأن الله كلم موسى بصوت ، إلى غير ذلك من الآثار التي قالها ، إما ذاكرا وإمام آثرا ، مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن أنس ، وجابر بن عبد الله ، ومسروق أحد أعيان كبار التابعين ، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أحد الفقهاء السبعة ، وعكرمة مولى ابن عباس ، والزهري وابن المبارك وأحمد بن حنبل ، ومن لا يحصى كثرة ، ولا ينقل عن أحد من علماء الإسلام قبل المائة الثانية أنه أنكر ذلك ولا قال خلافه ، بل كانت الآثار المشهورة بينهم متداولة في كل عصر ومصر ، بل أنكر ذلك شخص في زمن الإمام أحمد ، وهو أول الأزمنة التي نبغت فيها البدع بإنكار ذلك على الخصوص ، وإلا فقبله قد نبغ من أنكر ذلك وغيره ، فهجر أهل الإسلام من أنكر ذلك وصار بين المسلمين كالجمل الأجرب ، فإن إراد الحالف ما هو المنقول عن السلف نقلا صحيحا فلا حنث عليه . قلت : وأما حلفه أن الرحمن على العرش استوى ، على ما يفيده الظاهر ويفهمه الناس من ظاهره ، فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة ، فإن الظاهر في الفطر السليمة واللسان العربي والدين القيم ولسان السلف غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين ، فإن أراد الحالف بالظاهر شيئا من المعاني التي هي من خصائص المحدثين ، أو ما يقتضي نوع نقص بأن يتوهم أن الاستواء مثل استواء الأجسام على الأجسام ، أو كاستواء الأرواح إن كانت عنده لا تدخل في أمم الأجسام فقد حنث في ذلك وكذب ، وما أعلم أحدا يقول إلا ما يروي عن مثل داود الجواربي البصري ، ومقاتل بن سليمان الخراساني ، وهشام بن الحكم الرافضي ، ونحوهم إن صح النقل عنهم ، فإنه يجب القطع بأن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وأن مباينته للمخلوقين وتنزهه عن مشاركتهم أكبر وأعظم مما يعرفه العارفون من خليقته ويصفه الواصفون ، وأن كل صفة تستلزم حدوثه أو نقصا غير الحدوث فيجب نفيها عنه .

الفتاوى الكبرى · الجزء ٥ · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٥ · ص ١٥١