إصر وأغلال لم يوجب لهم تقوى الله وحفظ حدوده ، بل حرمت عليهم نساؤهم وخربت ديارهم فقط ، والشارع لم يشرع ما يوجب حرمة النساء ، وتخريب الديار ، بل ترك إلزامهم بذلك أقل فسادا ، وإن كانوا أذنبوا فهم مذنبون على التقديرين ، لكن تخريب الديار أكثر فسادا ، و الله لا يحب الفساد ، وأما ترك الإلزام فليس فيه إلا أنه ذنب بقوله فلم يتب منه ، وهذا أقل فسادا من الفساد الذي قصد الشارع دفعه ومنعه بكل طريق ، وأصل المسألة أن النهي يدل على أن المنهى عنه فساده راجح على صلاحه ، فلا يشرع التزام الفساد من يشرع دفعه ومنعه ، وأصل هذا أن كل ما نهى الله عنه ، وحرمه في بعض الأحوال ، وأباحه في حال أخرى ، فإن الحرام لا يكون صحيحا نافذا كالحلال يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ، ويحصل به المقصود كما يحصل ، وهذا معنى قولهم النهي يقتضي الفساد ، وهذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وجمهورهم ، وكثير من المتكلمين من المعتزلة الأشعرية يخالف في هذا لما ظن أن بعض ما نهى عنه ليس بفاسد : كالطلاق المحرم ، والصلاة في الدار المغصوبة ، ونحو ذل . قالوا : لو كان النهي موجبا للفساد لزم انتقاض هذه العلة ، فدل على أن الفساد حصل بسبب آخر غير مطلق النهي ، وهؤلاء لم يكونوا من أئمة الفقه العارفين بتفصيل أدلة الشرع ، فقيل لهم : بأي شيء يعرف أن العبادة فاسدة والعقد فاسد قالوا : بأن يقول الشارع هذا صحيح وهذا فاسد ، وأما هذا فشرطه في صحته كذا وكذا فإذا وجد المانع انتفت الصحة ، وهؤلاء وأمثالهم لا يتكلمون في الأدلة الشرعية الواقعة ، وهي الأدلة التي جعلها الله ورسوله أدلة على الأحكام الشرعية ، بل يتكلمون في أمور يقدرونها في أذهانهم أنها إذا وقعت هل يستدل بها أم لا يستدل والكلام في ذلك لا فائدة فيه ، ولهذا لا يمكنهم أن ينتفعوا بما يقدرونه من أصول الفقه في الاستدلال بالأدلة المفصلة على الأحكام فإنهم لم يعرفوا نفس أدلة الشرع الواقعة بل قدروا أشياء قد لا تقع ، وأشياء ظنوا أنها من جنس كلام شارع ، وهذا من هذا الباب
الفتاوى الكبرى · الجزء ٣ · الصفحة ٨٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٣ · ص ٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي