الطريق الثاني : أن نقول ، وإن سلمنا العموم اللفظي ، لكن ليست مرادة بل هي مخصوصة بما ذكرناه من الأدلة التي تخص مثل هذا العموم فإن هذا العموم مخصوص بالسنة والإجماع في الثمر التابع لشجره ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : من ابتاع نخلا لم تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ، أخرجاه من حديث ابن عمر ، فجعلها للمبتاع إذا اشترطها بعد التأبير ، ومعلوم أنها حينئذ لم يبد صلاحها ، ولا يجوز بيعها مفردة ، والعموم المخصوص بالنص أو الإجماع يجوز أن يخص منه صور في معناه عند جمهور الفقهاء من سائر الطوائف ، ويجوز أيضا تخصيصه بالإجماع وبالقياس القوي ، وقد ذكرنا من آثار السلف ومن المعاني ما يخص مثل هذا لو كان عاما ، أو بالاشتداد بلا تغيير لون ، كالجوز ، واللوز ، فبدو الصلاح في الثمار متنوع تارة يكون بالرطوبة بعد اليبس ، وتارة بلينه ، وتارة بتغير لونه بحمرة أو صفرة أو بياض ، وتارة لا يتغير ، وإذا كان قد نهى عن بيع الثمرة حتى تحمر أو تصفر علم أن هذا اللفظ لم يشمل جميع أجناس الثمار ، وإنما يشمل ما يأتي في الحمرة والصفرة ، وقد جاء مقيدا أنه النخل فتدبر ما ذكرناه في هذه المسألة فإنه عظيم النفع في هذه القضية التي عمت بها البلوى وفي نظائرها ، وانظر في عموم كلام الله عز وجل ، ورسوله صلى الله عليه وسلم لفظا ومعنى حتى يعطي حقه ، وأحسن ما استدل على معناه بآثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة وجريها على الأصول الثابتة المذكورة في قوله تعالى : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الأعراف : 157 ] ، وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن المعاوضة التي جاء مفسرا وفي رواية أخرى ، بأنه بيع السنين ، فهو و الله أعلم مثل نهيه عن بيع حبل الحبلة ، وإنما نهى أن يبتاع المشتري الثمرة التي يستثمرها رب الشجر ، فأما اكتراء الشجر والأرض حتى يستثمرها فلا يدخل هذا في البيع المطلق ، وإنما هو نوع من الإجارة ، ونظير هذا ما تقدم من حديث جابر في الصحيح ، من أنه نهى عن كراء الأرض ، وإنه نهى عن المخابرة ، وإنه نهى عن المزارعة ، وإنه قال : لا تكروا الأرض فإن المراد بذلك الكراء الذي كانوا يعتادونه من الكراء والمعاوضة الذين يرجع كل منهما إلى بيع الثمرة قبل أن تصلح
الفتاوى الكبرى · الجزء ٣ · الصفحة ٤٤٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٣ · ص ٤٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي