وأما قولهم بحمل الحديث على من أظهر التحليل دون من نواه ولم يظهره ، لئلا يفضي القول بالإفساد إلى إضرار المعاقد الآخر ، ولأن النية لو كانت شرطا لما صحت الشهادة على النكاح فنقول : هذا السؤال من قال بموجبه ، فإنه يبطل أكثر صور التحليل التي هي منشأ الفساد ، وهو الذي قال به بعض التابعين إن صح ، وبعض أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - ، والجواب عنه أن الزوجة متى لم تعلم نية التحليل لم يضرها ذلك ، فإنها تعتقده حلالا فلا يكون أسوأ حالا من وطء الشبهة فالوطء حلال بالنسبة إليها حرام بالنسبة إلى الزوج ، كما لو تزوج امرأة يعلم أنها محرمة عليه ، وهي لا تعلم ذلك ، وكذلك ما يعطيها إياه من المهر والنفقة يحل لها أخذه ، كما يحل لها ذلك في مثل هذه الصورة ، ومثل ذلك ما ذكره أصحابنا ، وأكثر الفقهاء في الصلح على الإنكار والنكول فإن أحد المصالحين إذا علم كذب نفسه كان الصلح باطلا في حقه ، خاصة فيكون ما يأخذه من مال الآخر أو ما يهضمه من حقه حراما عليه ، وكذلك لو ورث الرجل من أبيه رقيقا قد علم رجل أن الأب أعتقهم ، والإبن لا يعلم ذلك فاشتراهم منه من يعلم بعتقهم كان البيع صحيحا بالنسبة إلى البائع ، فيحل له الثمن وكان بالنسبة إلى المشتري باطلا فلا يحل له استعبادهم ، وأشبه منه بمسألتنا : لو كان بيد الرجل ما لا يملكه مثل عبد أعتقه فباعه لرجل ، فإنه يكون باطلا بالنسبة إلى البائع فيحرم عليه الثمن ، وهو حلال في الظاهر بالنسبة إلى المشتري فيحل له المبيع ، ونظائر هذا كثيرة في الشريعة ، وأما الشهود فإنهم يشهدون على لفظ المتعاقدين ، وبه يصح العقد في الظاهر ، فإن لم يشعروا بنيته للتحليل لم يكن عليهم إثم ، وإن علموا ذلك بقرينة لفظية أو عرفية ، كان كما لو علموا أن الزوج مكره ، فتحرم عليهم الشهادة على مثل هذا النكاح ، كما تحرم عليهم الشهادة على عقد الربا ، والنحل الجائرة وغير ذلك ، لكن إذا لم يكن إلا مجرد نية الزوج فهناك لا يظهر التحليل أصلا فلا يأثمون بالشهادة على ما ظاهره الصحة ، ولهذا لم يلعنوا في الحديث ، وإنما صححنا العقد في الظاهر بدون العلم بالقصد ، كما صححنا إسلام الرجل بدون العلم بما في قلبه ، فإن الألفاظ تعبر عما في القلوب ، والأصل فيها المطابقة والموافقة ، ولم نؤمر أن ننقب عما في قلوب الناس ولا نشق بطونهم ، ولكن نقبل علانيتهم ونكل سرائرهم إلى الله سبحانه ،
الفتاوى الكبرى · الجزء ٣ · الصفحة ٣٥٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٣ · ص ٣٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي