تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه فأما إذا لم نعلم السبب ، أو كان السبب أمرا اتفاقيا فهذا مما يتنازع فيه الناس : مثل نزوله في مكان في سفره فمن العلماء من يستحب أن ينزل حيث نزل ، كما كان ابن عمر يفعل ، وهؤلاء يقولون : نفس موافقته في الفعل هو حسن ، وإن كان فعله هو اتفاقا ، ونحن فعلناه لقصد التشبه به ، ومن العلماء من يقول : إنما تستحب المتابعة إذا فعلناه على الوجه الذي فعله فأما إذا فعله اتفاقا لم يشرع لنا أن نقصد ما لم يقصده ، ولهذا كان أكثر المهاجرين والأنصار لا يفعلون ، كما كان ابن عمر يفعل . وأيضا فالاقتداء به ، يكون تارة نوع الفعل ، وتارة في جنسه فإنه قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره ، لا لمعنى يخصه فيكون المشروع هو الأمر العام . مثال ذلك : احتجامه صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كان لحاجته إلى إخراج الدم الفاسد ، ثم التأسي هل هو مخصوص بالحجامة أو المقصود إخراج الدم على الوجه النافع ومعلوم أن التأسي هو المشروع ، فإذا كان البلد حارا يخرج فيه الدم إلى الجلد كانت الحجامة هي المصلحة ، وإن كان البلد باردا يغور فيه الدم إلى العروق كان إخراجه بالفصد هو المصلحة . وكذلك ادهانه صلى الله عليه وسلم : هل المقصود خصوص الدهن ، أو المقصود ترجيل الشعر فإن كان البلد رطبا وأهله يغتسلون بالماء الحار الذي يغنيهم عن الدهن ، والدهن يؤذي شعورهم وجلودهم ، يكون المشروع في حقهم ترجيل الشعر بما هو أصلح لهم ، ومعلوم أن الثاني هو الأشبه . وكذلك لما كان يأكل الرطب والتمر وخبز الشعير ، ونحو ذلك من قوت بلده فهل التأسي به أن يقصد خصوص الرطب والتمر والشعير ، حتى يفعل ذلك من يكون في بلاد لا ينبت فيها التمر ، ولا يقتاتون الشعير ، بل يقتاتون البر أو الرز أو غير ذلك ، ومعلوم أن الثاني هو المشروع ، والدليل على ذلك أن الصحابة لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده ، ويلبس من لباس بلده من غير أن يقصد أقوات المدينة ولباسها ، ولو

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٥١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٥١٢