له : أما و الله إنني لأتقاكم لله ، وأخشاكم له فلما أجابه صلى الله عليه وسلم بفعله دل ذلك على أنه يباح للأمة ما أبيح له ، ولهذا كان جمهور علماء الأمة على أن الله إذا أمره بأمر ، أو نهاه عن شيء ، كانت أمته أسوة له في ذلك ، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك . فمن خصائصه ما كان من خصائص نبوته ورسالته فهذا ليس لأحد أن يقتدي به فيه فإنه لا نبي بعده ، وهذا مثل كونه يطاع في كل ما يأمر به ، وينهى عنه ، وإن لم يعلم جهة أمره ، حتى يقتل كل من أمر بقتله ، وليس هذا لأحد بعده فولاة الأمور من العلماء والأمراء يطاعون إذا لم يأمروا بخلاف أمره ، ولهذا جعل الله طاعتهم في ضمن طاعته . قال الله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء : 59 ] فقال : وأطيعوا الرسول وأولي الأمر لأن أولي الأمر يطاعون طاعة تابعة لطاعته فلا يطاعون استقلالا ، ولا طاعة مطلقة . وأما الرسول فيطاع طاعة مطلقة مستقلة فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله فقال تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول النساء : 59 ] فإذا أمرنا الرسول كان علينا أن نطيعه ، وإن لم نعلم جهة أمره ، وطاعته طاعة الله ، لا تكون طاعته بمعصية الله قط ، بخلاف غيره . وقد ذكر الناس من خصائصه فيما يجب عليه ، ويحرم عليه ، ويكرم به ، ما ليس هذا موضع تفصيله ، وبعد ذلك متفق عليه ، وبعضه متنازع فيه ، وقد كان صلى الله عليه وسلم إمام الأمة ، وهو الذي يقضي بينهم ، وهو الذي يقسم ، وهو الذي يغزو بهم ، وهو الذي يقيم الحدود ، وهو الذي يستوفي الحقوق ، وهو الذي يصلي بهم فالاقتداء به في كل مرتبة بحسب تلك المرتبة فإمام الصلاة والحج يقتدي به في ذلك ، وأمير الغزو يقتدي به في ذلك ، والذي يقيم الحدود يقتدي به في ذلك ، والذي يقضي أو يفتي يقتدي به في ذلك ، وقد تنازع الناس في أمور فعلها : هل هي من خصائصه أم للأمة فعلها كدخوله في الصلاة إماما ، بعد أن صلى بالناس غيره ، وكتركه الصلاة على الغال والقاتل ، وأيضا فإذا فعل فعلا لسبب ، وقد علمنا ذلك السبب ، أمكننا أن نقتدي به
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٥١١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٥١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي