وقال له : إن لنفسك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فآت كل ذي حق حقه فبين له صلى الله عليه وسلم أن المداومة على هذا العمل تغير البدن والنفس ، وتمنع من فعل ما هو أجر من ذلك من القيام لحق النفس والأهل والزوج ، وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب ، وأنفع للعبد فإذا كان يضره ويمنعه مما هو أنفع منه ، لم يكن ذلك صالحا ، وقد ثبت في الصحيح : أن رجالا قال أحدهم : أما أنا فأصوم لا أفطر ، وقال الآخ الجواب أما أنا فأقوم لا أنام ، وقال الآخ الجواب أما أنا فلا آكل اللحم ، وقال الآخ الجواب أما أنا فلا أتزوج النساء فقال صلى الله عليه وسلم : ما بال رجال يقول أحدهم : كيت وكيت ، لكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني فبين صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا الزهد الفاسد ، والعبادة الفاسدة ليست من سنته فمن رغب فيها عن سنته فرآها خيرا من سنته فليس منه . وقد قال أبي بن كعب : عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ، فاقشعر جلده من خشية الله ، إلا تحاتت عنه خطاياه ، كما يتحات الورق اليابس عن الشجر ، وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبدا ، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم إن كانت اجتهادا أو اقتصادا على منهاج الأنبياء وسنتهم . وكذلك قال عبد الله بن مسعود : اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة . وقد تنازع العلماء في سرد الصوم إذا أفطر يومي العيدين ، وأيام منى فاستحب ذلك طائفة من الفقهاء والعباد فرأوه أفضل من صوم يوم ، وفطر يوم ، وطائفة أخرى لم يروه أفضل ، بل جعلوه سائغا بلا كراهة ، وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه ، وحملوا ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي . والقول الثالث : وهو الصواب قول من جعل ذلك تركا للأولى ، أو كره ذلك فإن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كنهيه لعبد الله بن عمرو عن ذلك ، وقوله : من صام الدهر فلا صام ، ولا أفطر ، وغيرها صريحة في أن هذا ليس بمشروع ، ومن حمل ذلك على أن المراد صوم الأيام الخمسة فقد غلط فإن صوم الدهر لا يراد به صوم خمسة أيام فقط ، وتلك الخمسة صومها
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٩٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي