المسجد ، أو رأى عليه شيئا من ذرق الحمام ، أو غيره فيصير ذلك حجة في الوسواس ، وقد علم بالتواتر أن المسجد الحرام ما زال يطأ عليه المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه ، وهناك من الحمام ما ليس بغيره ، ويمر بالمطاف من الخلق ما لا يمر بمسجد من المساجد فتكون هذه الشبهة التي ذكرتموها أقوى . ثم إنه لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه يصلي هناك على حائل ، ولا يستحب ذلك فلو كان هذا مستحبا كما زعمه هؤلاء لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه متفقين على ترك المستحب الأفضل ، ويكون هؤلاء أطوع لله وأحسن عملا من النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه فإن هذا خلاف ما ثبت في الكتاب والسنة والإجماع ، وأيضا فقد كانوا يطأون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعالهم وخفافهم ، ويصلون فيه مع قيام هذا الاحتمال ، ولم يستحب لهم هذا الاحتراز الذي ابتدعه هؤلاء ، فعلم خطؤهم في ذلك ، وقد يفرقون بينهما بأن يقولوا : الأرض تطهر بالشمس والريح والاستحالة . دون الحصير فيقال : هذا إذا كان حقا فإنما هو من النجاسة المخففة ، وذلك يظهر بالوجه الثالث ، وهو : أن النجاسة لا يستحب البحث عما لم يظهر منها ، ولا الاحتراز عما ليس عليه دليل ظاهر ، لاحتمال وجوده فإن كان قد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم : إنه يستحب الاحتراز عن الشكوك فيه مطلقا فهو قول ضعيف ، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : أنه مر هو وصاحب له بمكان فسقط على صاحبه ماء من ميزاب فنادى صاحبه : يا صاحب الميزاب أماؤك طاهر أم نجس فقال له عم الجواب يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه فنهى عمر عن إخباره ، لأنه تكلف من السؤال ما لم يؤمر به ، وهذا قد ينبني على أصل ، وهو : أن النجاسة إنما يثبت حكمها مع العلم فلو صلى وببدنه أو ثيابه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم تجب عليه
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٤٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي