شيء يغفر له ما قد سلف منه ، لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره ، وذلك لأن قول القائل لغيره : إن انتهيت غفرت لك ما تقدم ، ونحو ذلك يفهم منه عند الإطلاق إنك إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم ، وإذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه ، كما يفهم مثل ذلك في قوله : إن تبت ، لا يفهم منه إنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره ، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام يهدم ما قبله ، وفي رواية يجب ما كان قبله فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه ، فقال له : يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه ، لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب . الأصل الثالث : إن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها ، وقد يتوب توبة مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه ، لكن إذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ما يراه ذنبا ، لأن التوبة العامة تتضمن عزما عاما بفعل المأمور وترك المحظور ، وكذلك تتضمن ندما عاما على كل محظور . و الندم سواء قيل : إنه من باب الاعتقادات ، أو من باب الإرادات ، أو قيل : إنه من باب الآلام التي تلحق النفس بسبب فعل ما يضرها فإذا استشعر القلب أنه فعل ما يضره ، حصل له معرفة بأن الذي فعله كان من السيئات ، وهذا من باب الاعتقادات ، وكراهية لما كان فعله ، وهو من جنس الإرادات ، وحصل له أذى وغم لما كان فعله ، وهذا من باب الآلام ، كالغموم والأحزان ، كما أن الفرح والسرور هو من باب اللذات ليس هو من باب الاعتقادات والإرادات ، ومن قال من المتفلسفة ومن اتبعهم : إن اللذة هي إدراك الملائم من حيث هو ملائم ، وإن الألم هو إدراك المنافر من حيث هو منافر فقد غلط في ذلك فإن اللذة والألم حالان يتعقبان إدراك الملائم والمنافر فإن الحب لما يلائمه ، كالطعام المشتهى مثلا له ثلاثة أحوال . أحدها : الحب ، كالشهوة للطعام ، والثاني :
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٥٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي