خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش & ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين . ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين . وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ^ يوسف : 50 - 53 ] فهذا كله كلام امرأة العزيز ، ويوسف إذ ذاك في السجن ، لم يحضر بعد إلى الملك ، ولا سمع كلامه ولا رآه ، ولكن لما ظهرت براءته في غيبته - كما قالت امرأة العزيز : ^ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ^ يوسف : 52 ] أي : لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته - فحينئذ : ^ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ^ يوسف : 54 ] ، وقد قال كثير من المفسرين : إن هذا من كلام يوسف ، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول ، وهو قول في غاية الفساد ، ولا دليل عليه ، بل الأدلة تدل على نقيضه ، وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع ، والمقصود هنا أن ما تضمنته قصة ذي النون مما يلام عليه كله مغفور بدله الله به حسنات ، ورفع درجاته ، وكان بعد خروجه من بطن الحوت وتوبته أعظم درجة منه قبل أن يقع ما وقع ، قال تعالى : ^ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم . لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم . فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ^ القلم : 48 - 50 ] ، وهذا بخلاف حال التقام الحوت فإنه قال : ^ فالتقمه الحوت وهو مليم ^ الصافات : 142 ] فأخبر أنه في تلك الحال مليم ، و المليم الذي فعل ما يلام عليه فالملام في تلك الحال لا في حال نبذه بالعراء وهو سقيم فكانت حاله بعد قوله : ^ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ^ القصص : 16 ] أرفع من حاله قبل أن يكون ما كان ، والاعتبار بكمال النهاية لا بما جرى في البداية ، والأعمال بخواتيمها ، و الله تعالى خلق الإنسان وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا ثم علمه فنقله من حال النقص إلى حال الكمال فلا يجوز أن يعتبر قدر الإنسان بما وقع منه قبل حال الكمال ، بل الاعتبار بحال كماله ، ويونس وغيره من الأنبياء في حال النهاية حالهم أكمل الأحوال ، ومن هنا غلط من غلط في تفضيل الملائكة على الأنبياء والصالحين فإنهم اعتبروا كمال الملائكة مع بداية الصالحين ونقصهم فغلطوا ولو اعتبروا حال الأنبياء والصالحين بعد دخول الجنان ، ورضى الرحمن ، وزوال كل ما فيه نقص
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي