فلم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند تحقيق قوله : لا إله إلا أنت إرادة تراحم إلهية الحق ، بل كان مخلصا & الدين إذ كان من أفضل عباد الله المخلصين . وأيضا : فمثل هذه الحال تعرض لمن تعرض له فيبقى فيه نوع مغاضبة للقدر ومعارضة له في خلقه وأمره ، ووساوس في حكمته ورحمته فيحتاج العبد أن ينفي عنه شيئين : الآراء الفاسدة والأهواء الفاسدة فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاه علمه وحكمته لا فيما اقتضاه علم العبد وحكمته ، ويكون هواه تبعا لما أمر الله به فلا يكون له مع أمر الله وحكمه هوى يخالف ذلك . قال الله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء : 65 ] ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به رواه أبو حاتم في صحيحه ، وفي الصحيح أن عمر قال له : يا رسول الله و الله لأنت أحب إلي من نفسي . قال : الآن يا عمر ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ، وقال تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره التوبة : 24 ] فإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم العبد رسوله ويسلم له ويكون هواه تبعا لما جاء به ، ويكون الرسول والجهاد في سبيله مقدما على حب الإنسان نفسه وماله وأهله فكيف في تحكيمه الله تعالى والتسليم له فمن رأى قوما يستحقون العذاب في ظنه ، وقد غفر الله لهم ورحمهم ، وكره هو ذلك فهذا إما أن يكون عن إرادة تخالف حكم الله ، وإما عن ظن يخالف علم الله ، و الله عليم حكيم ، وإذا علمت أنه عليم ، وأنه حكيم لم يبق لكراهية ما فعله وجه ، وهذا يكون فيما أمر به وفيما خلقه ولم يأمرنا أن نكره ، ونغضب عليه فأما ما أمرنا بكراهته من الموجودات : كالكفر والفسوق والعصيان فعلينا أن نطيعه في أمره ، بخلاف توبته على عباده وإنجائه إياهم من العذاب فإن هذا من مفعولاته التي لم يأمرنا أن نكرهها ، بل هي مما يحبها فإنه يحب التوابين ويحب المتطهرين فكراهية هذا من نوع إتباع الإرادة المزاحم للإلهية فعلى صاحبها
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٣٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي