تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمقصود هنا أن لفظ الإيمان إنما يستعمل في بعض الأخبار ، وهو مأخوذ من الأمن ، كما أن الإقرار مأخوذ من قر فالمؤمن صاحب أمن ، كما أن المقر صاحب إقرار فلا بد في ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه فإذا كان عالما بأن محمدا رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه بل كان يبغضه ويحسده ويستكبر عن اتباعه فإن هذا ليس بمؤمن به بل كافر به ، ومن هذا الباب كفر إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وغير هؤلاء فإن إبليس لم يكذب خبرا ولا مخبرا بل استكبر عن أمر ربه ، وفرعون وقومه قال الله فيهم : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا النمل : 14 ] ، وقال له موسى : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر الإسراء : 102 ] ، وقال تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم البقرة : 146 ] فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه ، بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ونفس لا تشبع ، ودعاء لا يسمع ، وقلب لا يخشع . ولكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان ، وأن من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن فإن ذلك يدل على عدم علم قلبه ، وهذا من أعظم الجهل شرعا وعقلا ، وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر ، ولهذا أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما من الأئمة كفرهم بذلك فإنه من المعلوم أن الإنسان يكون عالما بالحق ويبغضه لغرض آخر فليس كل من كان مستكبرا عن الحق يكون غير عالم به ، وحينئذ فالإيمان لا بد فيه من تصديق القلب وعمله ، وهذا معنى قول السلف : الإيمان قول وعمل . ثم إنه إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزم وجود الأفعال الظاهرة فإن الإرادة الجازمة إذ اقترنت بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعا ، وإنما ينتفي وجوب العقل لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة ، وإلا جمع كما لها يجب وجود الفعل الاختياري فإذا اقر القلب إقرارا تاما بأن محمدا رسول الله وأحبه محبة تامة امتنع مع ذلك أن لا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك ، لكن إن كان عاجزا لخرس ونحوه أو لخوف ونحوه لم يكن قادرا على النطق بهما ،

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٢٤