تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث كما أن الأولى تتناول الطاعات ، حدثت أو لم تحدث ، والسعيد من أراد منه تشريعا ما أراد به تقديرا ، والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما أراد به تشريعا ، والحكم يجري على وفق هاتين الإرادتين فمن نظر إلى الأعمال بهاتين العينين كان بصيرا ، ومن نظر إلى القدر دون الشرع ، أو الشرع دون القدر ، كان أعور ، مثل قريش الذين قالوا : ^ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ^ الأنعام : 142 ] ، قال الله تعالى : كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون الأنعام : 148 ] فإن هؤلاء اعتقدوا أن كل ما شاء الله وجوده وكونه ، وهي الإرادة القدرية فقد أمر به ورضيه دون الإرادة الشرعية ، ثم رأوا أن شركهم بغير شرع مما قد شاء الله وجوده ، قالوا : فيكون قد رضيه وأمر به ، قال الله : هكذا كذب الذين من قبلهم بالشرائع من الأمر والنهي حتى ذاقوا بأسنا ، قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا بأن الله شرع الشرك وتحريم ما حرمتوه ، إن تتبعون في هذا إلا الظن ، وهو توهمكم أن كل ما قدره فقد شرعه ، وإن أنتم إلا تخرصون ، أي : تكذبون وتفرون بإبطال شريعته . قل فلله الحجة البالغة الأنعام : 149 ] ، على خلقه حين أرسل الرسل إليهم فدعوهم إلى توحيده وشريعته ، ومع هذا فلو شاء هدى الخلق أجمعين إلى متابعة شريعته ، لكنه يمن على من يشاء فيهديه فضلا منه وإحسانا ، ويحرم من يشاء لأن المتفضل له أن يتفضل وله أن لا يتفضل فترك تفضله على من حرمه عدل منه وقسط ، وله في ذلك حكمة بالغة ، وهو يعاقب الخلق على مخالفة أمره وإرادته الشرعية ، وإن كان ذلك بإرادته القدرية فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى أيضا بعقابها

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣١