فريق من أهل الكلام ، ظنوا أن الله لا يتلذذ بالنظر إليه ، وأنه لا نعيم إلا بمخلوق فغلط هؤلاء في معنى الجنة كما غلط أولئك ، لكن أولئك طلبوا ما يستحق أن يطلب ، وهؤلاء أنكروا ذلك ، وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ، ومن قال : لو أدخلني النار لكنت راضيا فهو عزم منه على الرضا ، والعزائم قد تنفسخ عند وجود الحقائق ، ومثل هذا يقع في كلام طائفة مثل سمنون الذي قال : وليس لي في سواك حظ فيكف ما شئت فامتحني فابتلي بعسر البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول : ادعوا لعمكم الكذاب . قال تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون آل عمران : 143 ] . وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات العامة بناء على مشاهدة القدر ، وأن من شهد القدر فشهد توحيد الأفعال حتى فني من لم يكن وبقي من لم يزل ، يخرج عن هذه الأمور ، وهذا كلام مستدرك حقيقة وشرعا . أما الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا يكون حساسا محبا لما يلائمه مبغضا لما ينافره ، ومن قال : إن الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين : إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل ، وإما أنه مكابر معاند ولو قدر أن الإنسان حصل له حال أزال عقله - سواء سمي اصطلاما أو محوا أو فناء أو غشيا أو ضعفا - فهذا لم يسقط إحساس نفسه بالكلية . بل له إحساس بما يلائمه ومن ينافره ، وإن سقط إحساسه ببعض الأشياء فإنه لم يسقط بجميعها فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقا فإنه غالط ، بل لا بد من الفرق فإنه أمر ضروري . لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي فيبقى متبعا لهواه لا مطيعا لمولاه . ولهذا لما وقعت هذه المسألة بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق الثاني وهو : أن يفرق بين المأمور والمحظور ، وبين ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده للقدر الجامع فشهد الفرق في القدر
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٣٠٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٣٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي