والذي يعين على ذلك شيئان : قوة المقتضى ، وضعف الشاغل . أما الأول : فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله ، ويتدبر القراءة والذكر والدعاء ، ويستحضر أنه مناج لله تعالى ، كأنه يراه فإن المصلي إذا كان قائما فإنما يناجي ربه ، والاحسان : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد ، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان ، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : حبب إلي من ديناكم : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ، وفي حديث آخر أنه قال : أرحنا يا بلال بالصلاة ، ولم يقل : أرحنا منها ، وفي أث الجواب آخر ليس بمستكمل للإيمان من لم يزل مهموما حتى يقوم إلى الصلاة ، أو كلام يقارب هذا ، وهذا باب واسع فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته ، وإخلاص الدين له ، وخوفه ورجائه ، والتصديق بأخباره ، وغير ذلك ، مما يتباين الناس فيه ، ويتفاضلون تفاضلا عظيما ، ويقوي ذلك كلما ازداد العبد تدبرا للقرآن ، وفهما ، ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته ، وتفقره إليه في عبادته واشتغاله به ، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه ، ويأنس به ، ويلتذ بذكره ، ويستريح به ، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله ، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكا لا صلاح معه ، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه ، ولا حول ولا قوة إلا به ، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه . ولهذا يروى : أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع علمها في الكتب الأربعة ، وجمع الكتب الأربعة في القرآن ، وجمع علم القرآن في المفصل ، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب ، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله : إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة : 5 ] ، ونظير ذلك قوله : ^ فاعبده وتوكل عليه ^ هود : 123 ] ، وقوله : ^ عليه توكلت وإليه متاب ^ التوبة : 129 ] ، وقوله : ^ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٢٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي