تعالى في القرآن فلو لم يكن في الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه ، وقد أباح الشارع أنواعا من الغرر للحاجة كما أباح اشتراط ثمر النخل بعد التأبير تبعا للأصل ، وجوز بيع المجازفة وغير ذلك ، وأما الربا فلم يبح منه شيئا ، ولكن أباح العدول عن التقدير بالكيل إلى التقدير بالخرص عند الحاجة كما أباح التيمم عند عدم الماء للحاجة إذ الخرص تقدير بظن ، والكيل تقدير بعلم ، والعدول عن العلم إلى الظن عند الحاجة جائز فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس فيها إلا مجرد أكل المال بالباطل ، لكن الميسر تطلب به الملاعبة والمغالبة ، نهى عنه في الإنسان مع فساد ماله لا لفساد ماله ، مثل ما فيه من الصدود عن ذكر الله وعن الصلاة ، وكل من الخمر والميسر فيه إيقاع العداوة والبغضاء ، وفيه الصد عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من الربا وغيره من المعاملات الفاسدة ، تبين أن الميسر اشتمل على مفسدتين . مفسدة في المال ، وهي أكله بالباطل ، ومفسدة في العمل ، وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل ، وفساد ذات البين ، وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقا ، ولو كان بغير ميسر كالربا ، وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ويوقع بالعداوة والبغضاء ، ولو كان بغير أكل مال فإذا اجتمعا عظم التحريم فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا ، ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا ، ومعلوم أن الله ت - عالى - لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ، وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم ، وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولا يوقع العداوة والبغضاء لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه ، كل ذلك مبالغة في الاجتناب فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا ، والمعين على الميسر كالمعين على الخمر فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، وكما أن الخمر تحرم الإعانة عليها ببيع ، أو عصر ، أو سقي ، أو غير ذلك فكذلك
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ٢١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ٢١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي