ثم أنه لما بعث الله عيسى ومحمدا صلى الله عليهما كفر بهما وبما جاءا به من عند الله ، واتبع الكتاب المبدل المنسوخ كان كفره من أغلظ الكفر ، ولم يكن كفره أخف من كفر من دخل بنفسه في هذا الدين المبدل ، ولا له بمجرد نسبه حرمة عند الله ولا عند رسوله ، ولا ينفعه دين آبائه إذا كان هو مخالفا لهم ، فإن آباءه كانوا إذ ذاك مسلمين فإن دين الله هو الإسلام في كل وقت فكل من آمن بكتب الله ورسله في كل زمان فهو مسلم ، ومن كفر بشيء من كتب الله فليس مسلما في أي زمان كان . وإذا لم يكن لأولاد بني إسرائيل إذا كفروا مزية على أمثالهم من الكفار الذين ماثلوهم في اتباع الدين المبدل المنسوخ ، علم بذلك بطلان الفرق بين الطائفتين ، وإكرام هؤلاء بإقرارهم بالجزية ، وحل ذبائحهم ، ونسائهم دون هؤلاء ، وأنه فرق مخالف لأصول الإسلام ، وإنه لو كان الفرق بالعكس كان أولى ، ولهذا يوبخ الله بني إسرائيل على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم مالا يوبخه غيرهم من أهل الكتاب لأنه تعالى أنعم على أجدادهم نعما عظيمة في الدين والدنيا فكفروا نعمته ، وكذبوا رسله ، وبدلوا كتابه ، وغيروا دينه فضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ، وباؤا بغضب من الله ، وضربت عليهم المسكنة ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . فهم مع شرف آبائهم وحق دين أجدادهم من أسوأ الكفار عند الله ، وهو أشد غضبا عليهم من غيرهم لأن في كفرهم من الاستكبار والحسد والمعاندة والقسوة وكتمان العلم ، وتحريف الكتاب ، وتبديل النص ، وغير ذلك ما ليس في كفر هؤلاء فكيف يجعل لهؤلاء الأرجاس الأنجاس الذين هم من أبغض الخلق إلى الله مزية على سائر إخوانهم الكفار مع أن كفرهم إما مماثل لكفر إخوانهم الكفار وإما أغلظ منه إذ لا يمكن لأحدا أن يقول : إن كفر الداخلين أغلظ من كفر هؤلاء مع تماثلهما في الدين بهذا الكتاب الموجود . الوجه السادس : أن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب ، هو حكم
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٩١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٩١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي