تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أمره فرطا ^ الكهف : 28 ] ، وقال تعالى : ^ فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ^ النجم : 29 ] فتجد كثيرا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن . وغاية كثير منهم إذا تعدى ذلك أن ينظر إلى سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من العلم . كما يذكر مثل ذلك المتفلسفة والقرامطة مثل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم فإنهم يتكلمون في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق بمبلغهم من علم الفلسفة ، وما ضموا إليه مما ظنوه من الشريعة ، وهم في غاية ما ينتهون إليه دون اليهود والنصارى بكثير كما بسط في غير هذا الموضع . وقوم من الخائضين في أصول الفقه ، وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة إذا تكلموا في المناسبة ، وإن ترتيب الشارع للأحكام على الأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد ، ودفع مضارهم ، ورأوا أن المصلحة نوعان : أخروية ، ودنيوية ، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم ، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء ، والأموال والفروج ، والعقول ، والدين الظاهر ، وأعرضوا عما في العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف ب الله تعالى ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، وأحوال القلوب وأعمالها كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له ، والتوكل عليه والرجاء لرحمته ودعائه وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة ، وكذلك فيما شرعه الشارع من الوفاء بالعهود ، وصلة الأرحام وحقوق المماليك والجيران ، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض ، وغير ذلك من أنواع ما أمر به وما نهى عنه حفظا للأحوال السنية وتهذيب الأخلاق . ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح فهكذا من جعل تحريم الخمر والميسر لمجرد أكل المال بالباطل ، والنفع الذي كان فيهما بمجرد أخذ المال يشبه هذا فإن هذه المغالبات

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٩