ومتى ثبت أنه يعقد له الذمة ثبت أن العبرة بنفسه لا بنسبه ، وإنه تباح ذبيحته وطعامه باتفاق المسلمين فإن المانع لذلك لم يمنعه إلا بناء على أن هذا الصنف ليسوا من أهل الكتاب فلا يدخلون . فإذا ثبت بنص السنة أنهم من أهل الكتاب دخلوا في الخطاب بلا نزاع . الوجه الثاني : أن جماعة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وحولها كانوا عربا ، ودخلوا في دين اليهود ، ومع هذا فلم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم في أكل طعامهم ، وحل نساءهم ، وإقرارهم بالذمة بين من دخل أبواه بعد مبعث عيسى عليه السلام ، ومن دخل قبل ذلك ، ولا بين المشكوك في نفسه ، بل حكم في الجميع حكما واحدا عاما . فعلم أن التفريق بين طائفة وطائفة ، وجعل طائفة لا تقر بالجزية . وطائفة تقر ولا تؤكل ذبائحهم ، وطائفة يقرون وتؤكل ذبائحهم ، تفريق ليس له أصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه . وقد علم بالنقل الصحيح المستفيض ، أن أهل المدينة كان فيهم يهود كثير من العرب وغيرهم من بني كنانة وحمير وغيرهما من العرب ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : إنك تأتي قوما أهل كتاب . وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وعدله معافر ، ولم يفرق بين من دخل أبوه قبل النسخ أو بعده ، وكذلك وفد نجران وغيرهم من النصارى الذين كان فيهم عرب كثيرون أقرهم بالجزية ، وكذلك سائر اليهود والنصارى من قبائل العرب لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من خلفائه ، وأصحابه بين بعضهم وبعض ، بل قبلوا منهم الجزية ، وأباحوا ذبائحهم ، ونساءهم . وكذلك نصارى الروم وغيرهم لم يفرقوا بين صنف وصنف ، ومن تدبر السيرة النبوية علم كل هذا بالضرورة ، وعلم أن التفريق قول محدث لا أصل له في الشريعة . الوجه الثالث : أن كون الرجل مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ونحو ذلك من أسماء الدين ، هو حكم يتعلق بنفسه ، لا باعتقاده وإرادته وقوله وعمله ، لا يلحقه هذا الاسم بمجرد اتصاف آبائه بذلك ، لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا حكم أبويه ، لكونه لا يستقل بنفسه فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر كان حكمه معتبرا بنفسه باتفاق المسلمين فلو كان أبواه يهودا أو نصارى فأسلم كان من
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي