تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنزل الله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما البقرة : 219 ] ، والمنافع التي كانت قيل : هي المال ، وقيل : هي اللذة ، ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذين فإنهم كانوا ينتفعون بثمنها والتجارة فيها كما كانوا ينتفعون باللذة التي في شربها ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما حرم الخمر لعن الخمر ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وبائعها ومشتريها ، وحاملها والمحمولة إليه ، وساقيها ، وشاربها ، وآكل ثمنها ، وكذلك الميسر كانت النفوس تنتفع بما تحصله به من المال ، وما يحصل به من لذة اللعب . ثم قال تعالى : وإثمهما أكبر من نفعهما البقرة : 219 ] لأن الخسارة في المقامرة أكثر ، والألم والمضرة في الملاعبة أكثر ، ولعل المقصود الأول لأكثر الناس بالميسر إنما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة كما أن المقصود الأول لأكثر الناس بالخمر إنما هو ما فيها من لذة الشرب ، وإنما حرم العوض فيها لأخذ مال بلا منفعة فيه فهو أكل مال بالباطل كما حرم ثمن الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النهي فقط وهي تابعة ، وتترك المفسدة الأصلية التي هي فساد العقل والقلب والمال مادة البدن ، والبدن تابع القلب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ، ألا وهي القلب ، والقلب هو محل ذكر الله تعالى وحقيقة الصلاة فأعظم الفساد في تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذي هو ملك البدن أن يصد عما خلق له من ذكر الله والصلاة . ويدخل فيما يفسد من التعادي والتباغض والصلاة حق الحق ، والتحاب والموالاة حق الخلق ، وأين هذا من أكل مال بالباطل ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال ، ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن ، وإنما حرمة المال لأنه مادة البدن ، ولهذا قدم الفقهاء في كتبهم ربع العبادات على ربع المعاملات ، وبهما تتم مصلحة القلب والبدن ، ثم ذكروا ربع المناكحات لأن ذلك مصلحة الشخص ، وهذا مصلحة النوع الذي يبقى بالنكاح ، ثم لما ذكروا المصالح ذكروا ما يدفع المفاسد في ربع

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٧