وأيضا فإنما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا ، وأما متى تعارضتا يسقط رواية الأقل بلا ريب ، وههنا المروي ليس هو مقابل بكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قالها ، ثم قالها ، صاحبه تارة ، تارة ذاكرا ، وتارة آثرا ، وإنما هو حكاية حال ، وقضية عين في رجل استقتى على صورة ، وحروف مأثورة فالناس ذكروا أن المستفتى ابن عباس ، وهذه الرواية ترفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وليست القضية إلا واحدة إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك ، على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك . وأيضا فأهل نقد الحديث والمعرفة به ، أقعد لذلك ، وليسوا يشكون في أن هذه الرواية وهم . الدليل الرابع : أن الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ما يوجب القول بأنه نجس ، وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك أصلا فعلم أن كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ، ومعلوم أن المني يصيب أبدان الناس ، وثيابهم ، وفرشهم بغير اختيارهم ، أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم فهو طواف الفضلات ، بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق ، والمخاط ، المصيب ثيابه ، ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع ، وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ، ولو كان المقتضى للتنجيس قائما ، ألا ترى أن الشارع خفف في النجاسة المعتادة فاجتزأ فيها بالجامد ، مع أن إيجاب الاستنجاء عند وجود الماء أهون من إيجاب غسل الثياب من المني ، لا سيما في الشتاء في حق الفقير ، ومن ليس له إلا ثوب واحد . فإن قيل : الذي يدل على نجاسة المني ، وجوه : أحدها : ما روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنما يغسل الثوب من البول ، والغائط ، والمنى ، والقيء رواه ابن عدي ، وحديث عائشة قد مضى في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسله .
الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٥٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي