تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخامسها : وفيه فقه الباب : أن الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام والغذاء ، ولا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلا بنوع الطعام وصنفه . فقد هدانا وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة . وأما المرض فإنه يزيله بأنواع كثيرة من الأسباب : ظاهرة وباطنة ، روحانية وجسمانية فلم يتعين الدواء مزيلا ثم الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين ، ثم ذلك النوع المعين يخفى على أكثر الناس بل على عامتهم دركه ، ومعرفته الخاصة المزاولون منهم هذا الفن أولوا الأفهام والعقول يكون الرجل منهم قد أفنى كثيرا من عمره في معرفته ذلك ، ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته ، ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه ففارقت الأسباب المزيلة للمرض ، الأسباب المزيلة للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا ، وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة . والقول الجامع فيما يسقط ويباح للحاجة والضروره ما حضرني الآن . أما سقوط ما يسقط من القيام والصيام والاغتسال فلأن منفعة ذلك مستيقنة بخلاف التداوي . وايضأ فإن ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . فانظر كيف أوجب الاجتناب عن كل منهي عنه ، وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره ، وهذا يكاد يكون دليلا مستقلا في المسألة . وأيضا فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج تسقط بأنواع من المشقة التي لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات ، وهذا بين بالتأمل . وأما الحلية : فإنما أبيح الذهب للأنف وربط الأسنان لأنه اضطرار ، وهو يسد الحاجة يقينا كالأكل في المخمصة . وأما لبس الحري الجواب للحكة والجرب إن سلم ذلك فإن الحرير والذهب ليسا محرمين على الإطلاق فإنهما قد أبيح لأحد صنفي المكلفين ، وأبيح للصنف الآخر بعضهما ، وأبيح التجارة فيهما ، وإهداؤهما للمشركين فعلم أنهما أبيحا لمطلق الحاجة ، والحاجة إلى التداوي أقوى

الفتاوى الكبرى · الجزء ٢ · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفتاوى الكبرىج ٢ · ص ١٣٦